خرجت من المشفى وأنت تتكئ على عكازتين، تمشي خطوة خطوة، تقف ثم تتابع بحيث تحتاج إلى وقت وجهد لتصل إلى مسافة قصيرة. الآن تشعر أن رجولتك ذهبت، وأن عزك انتهى، لا أحد يقبل تشغيلك، تأكدت من ذلك بعد مراجعتك عددًا من المسؤولين كانوا يراهنون عليك. يستحيل عملك كما كنت تحلم، فقد تحولت إلى عاهة، عليك أن تعترف بواقعك، أن لا ترفع رأسك، بل عليك أن تحنيه، ولا تحاول الاتصال بأحد، كلهم بحاجة إلى رجل قوي، وأنت لم تعد كذلك، ما عليك إلا الرضوخ إلى الواقع أو الموت حسرة. جاء من نقل لك مثل هذه الرسالة، ولم تستطع حتى مجرد الرد عليه. سألت نفسك ماذا تفعل؟ تمنيت لو ظلت أمك على قيد الحياة الوحيدة التي ستتمسك بك، تعيش حياة رغد تحت جناحيها، تنسيك آلامك، قادرة أن تطعمك العسل، وأنت قادر أن تلعب الدور الذي لعبته في صغرك بشكل أقوى وأكثر دهاء. أمامك شقيقتك التي ستسافر إليها، هي مشروعك المستقبلي، ستبحث معها مشاريع عمل مشتركة، استقبلتك بالقبل، سعيدة لرؤيتك، تمنت أن تكون رجلًا شهمًا، تقارن اليوم بالأمس، تتذكر بعض أفعالك، تسامحك وتكرمك، ثم تسألك عن مجيئك، تخبرها بأن الحياة ضاقت في وجهك؛ ولا أحد سواها يخلصك من فقرك وحياة الذل، تستفسر فتجيبها إنك ستؤمن لها عملًا في العاصمة، يدر عليكما ربحًا وفيرًا، لا تفهم قصدك، تشرح ما تريده بقولك:"إن أية فتاة بجمالك قادرة أن تقتات من موائد الملوك!"
بغضب تصيح في وجهك، تطالبك أن تغادر قبل أن تنادي زوجها وأولادها. ترى أنك غريب في بلدك، لن تبقى في قرية سكانها يديرون وجوههم عنك، لم يهتم بك أحد، الصغار الذين لا يعرفونك ظنوا أنك من خارج بلدتهم، تنظر إلى البيوت، إلى الطبيعة وتبصق، تصرّ على انتمائك إلى المدينة، ما دامت القرية لفظتك. تعود و أنت حزين إلى دمشق، وقد تبخرت مشاريعك. تلوم الذين تجاهلوك، تلوم شقيقتك التي طردتك. تثبت أنها من غير ثوبك، تراها متخلفة، متحجرة، تتمنى شقيقة أخرى غيرها نسخة عن أمك. تتخلص من هلوساتك وأنت تحتضن الرصيف، المهربات أمامك، تنادي، تستحث المارين على الشراء.