انصرف رجال الحاشية إلى ترتيب ما تبقى من شؤونهم، وإعداد وسائل الراحة في مهاجعهم، بعد المشاق التي عانوها في الطريق، هذا الطريق الذي اختاره الباشا عن قصد، وما يختاره الباشا لا يناقش.
-في هذه البرية لا صوت يعلو على صوت العدم والموت.
قال إسماعيل الخازن، يخاطب كائنًا غير موجود. ثم تابع:
-هنا حيث الخلاء لا سلطان، لا شريعة، لا قانون، لا قوة إلا قوة الأرواح.
واندس في فراشه، هو الرجل عاشر الباشا طويلًا، وعرف كثيرًا من خفاياه وأسراره وطباعه، لذا فهو يقدّر مزاياه وقدراته في القضاء على أعدائه، والإجهاز على خصومه، أما حربه الجديدة، فهي من نوع لم يجربه أحد من قبله، حرب عبثية.
وفي الخيمة المجاورة، جلس الشيخ المجذوب مع زوج الماعز الشامي، يتأمل أضواء الشموع وهي تتراقص، وقد ملأت المكان بنور هادئ، يترك للنفس مساحة للاسترخاء والمودة، فردّد:
-أنت السلام.. فاغمر أرواحنا بالسلام.
وساد الهدوء المعسكر، فلا حركة سوى حركة الحرس.
بعد أن أذن الباشا لغلامه"إياز"وجاريته"جلبهار"في الجلوس، حمل الخادم إليه شرابه المعتاد، والنرجيلة والنار، وبدأت طقوسه المتواضعة في السماع بعيدًا عن أبهة القصر، والقاعات الواسعة، بنوافيرها ونوافذها المشرعة على سماء من نجوم وأقمار، حيث الرؤوس تنكس أمامه، والرقاب تعنو، والأفواه تزمّ، والسمّار من كبار القوم.
ومع أول كأس من الشراب، بدأت دندنة العود، ترافقها نقرات الرقّ في تآلف بديع، ودفق صوت إياز منفردًا، رخيمًا وكأن في حنجرته نايًا ذهبيًا، يترنم، ثم تبعه صوت جلبهار، أبحّ، ناضجًا ودافئًا مثل كف عذراء، فازدهى الباشا، تفتح وجهه قمرًا من الدم وجنون الشهوات، والرغبة في جعل خنجره الذي سقاه سمَّ الأفاعي، يمزق ألف خاصرة.
كان إياز يغني بالعربية
وجلبهار بالفارسية والتركية، والعود والرق بلغة ثالثة، لا يفهمها إلا مجانين السماع، ومتذوقو هذه الثمرة المحرمة، التي لا تتاح إلا لمن يملك.
-أمان.. أمان.. يا رب