فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 1574

ورفع الباشا كأسه عاليًا، فاندغم الصوت في اللحن، فأدرك قيمة اللذة الخالصة، ومعناها الأزلي، بل اكتشف لذات جديدة، انصرف عنها زمانًا إلى النهب وسفك الدماء، وتحصيل الأموال، ومصادرة المغضوب عليها، وانتزاع أسرار مخابئ ثرواتهم بالتعذيب لكسب رضا الباب العالي وحاشية السلطان، وليس كالذهب وسيلة لنيل هذا الرضا والمباركة، وحمد الله أنه فاز في النهاية برأسه سالمًا بعد كل مغامراته، فصاح منتشيًا:

-فلتكن ولاية للخراب أو الكلاب.. لا فرق.

وأسرع الخادم، يملأ كأس الباشا من جديد، ويخرج إلى خيمته المجاورة، فالباشا يكره وجود أحد من الحاشية في مجالسه الخاصة.

وخارج الخيمة، تنادت غزالات الحماد، وبنات آوى إلى السماع السماوي، ولبدت الذؤبان وراء الرجوم والشجيرات الرعوية، ترقب ما يجري بحذر، وقد هالها النار العظيمة التي أمر الباشا أن تظل موقدة طوال الليل دلالة العزة والمنعة، وقد تحول المكان من المجهول إلى المعلوم.

-يجب أن أقوم بحركة قبل أن تتفاقم الأمور.

قرر الباشا بعد الكأس الأخيرة، وجاء الخادم بالقهوة المرة، قدمها لسيده، فشرب فنجانين، أما الغلامان، فامتنعا مهابة وأدبًا أمام الباشا، الذي قد يسمح لهما بقليل من الشراب، فالشراب- برأيه- ابن حرام، يلغي المسافة بين السيد والعبد.

-أكُلّ شيء على ما يرام؟!

سأل خادمه.. فأجاب:

-كما يشتهي مولاي.

-والحرس؟!

-في مكانه يا مولاي.

-حسن..

هزّ رأسه راضيًا، ولكنْ لم يفارقه حذره الدائم.

وآخر الليل أطفأ الخادم الشموع، فساد الظلام داخل الصيوان، بينما ظلت عينا الرجل جمرتين وحشيتين، تتوهجان حتى أطفأهما النوم، فاندفعت أطياف الماضي، وأحلامه تراوده، بعد أن ظنّ كل الظن، أنها اندثرت.

بغداد.. بغداد.

يرنّ الاسم في سمع الباشا رنين الذهب، كلما سمعه يتردد أمامه، في أية مناسبة كانت، فتزهو اللحظة، يتفتح ورد الدفلى، ويشتعل زهر الرمان في البساتين، وسعف النخل في ضوء الغروب، وتمر في البال صبايا البرامكة النادبات، وجواري الرشيد المجلوبات من كل بقاع الدنيا. فارسيات وروسيات وبربريات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت