ها أنت زرعت يا حامد، أمضيت حياتك على أمل كاذب، وبدل أن تورق شجرتك وتبرعم وتعطي الثمار، ضمت أوراقها وثمارها وهربت. توقفت الدموع، بينما الهطل في الداخل مستمر. تتمزق أحشاؤك ويعاودك الألم والحزن. حاولت النهوض، أن تتمالك نفسك فلم تقدر. دعتك أن تبقى عندها، أن لا تذهب. ظننت أنها لم تفقد صدقها وعواطفها، وأنك أغلى ما في الدنيا، وأن قلبها الأخضر يجعل الحياة ربيعًا. الألحان الجميلة تتلاشى، الرياح تقرع طبولها في رأسك الذي يتمزق ألمًا. كل شيء هدم في لحظة. الشمس تبدو صفراء، بهت نورها. الورود تنام وتذوي فلا تبدو سوى الأشواك. كم مرة أدميت أصابعك وأنت تقطف الورود وتهديها. في كل مرة تبتسم وتشكرك وتعتني بورودك وتحتفظ بهن في مكان خاص من خزانتها.
أشجار الغوطة تحني جذوعها، أغصانها تدفن أوراقها، الجذور فقدت قدرتها على امتصاص الغذاء. الهواء الثقيل فقد جزءًا من نقائه. قرر أن يغادر، أن يهب الشوارع بعض حزنه. يرمي الورود ويقطف الياسمين المعرش على البيوت. وقفت كالمارد في وجهه وأخبرته بأنها لن تدعه يغادر الآن، وإذا كان لابد من الذهاب، فبعد أن يهدأ ويستعيد جزءًا من قوته وتوازنه، إنها غير واثقة من وصوله سالمًا. تحت إصراره خرجت معه، أوقفت تكسي وطلبت إليه أن يوصله إلى بيته في الغوطة.
مضت أيام ولم يظهر حامد. قررت هلا أن تزوره وليكن ما يكون. لا تستطيع أن تظل بعيدة لا تعلم شيئًا عن حالته، قرعت باب بيته. امرأة في نهاية العقد الرابع ترحب بها، بالتأكيد هي أمه. إنها المرة الأولى التي تجيء إلى بيته. عرفت على نفسها: هلا جودة صديقة حامد.
هللت ورحبت بها أم صالح والدة حامد، ضمتها إلى صدرها وهي فرحة، قبلتها وأدخلتها إلى غرفة تحتوي على ستة كراسي خيزران و «صوفايتين» ، تحدثتا على انفراد، سألتها عن معرفتها بابنها ومدى عمق العلاقة، أخبرتها أن حامدًا حزين ومريض، معتكف في فراشه، أمضى حياته يركض خلف الشامية وفي الآخر تتركه. هؤلاء لسنا من ثوبهم. لم يفهم ابني معنى ذلك وأصرّ على أن الحب يعمل المعجزات، يتخطى الحواجز. لكن مقولاته الذهبية ذرتها الرياح. نظرت إليها، حدقت بوجهها وابتسمت ثم قالت:
-حدثيني يا هلا، ارتحت إليك، لهجتك قريبة منا، هل أنت من حوران؟
-أنا من الجولان.
-أهلًا وسهلًا نحن مصاب واحد.
جاء حامد مبتسمًا، يرحب بضيفته ويعتبر مجيئها بادرة جيدة. علقت أمه: