قرأت الرسالة مرات وتساءلت إن كان ما يحدث هو الصحيح، وهل السفر هو الحل؟ كيف ستواجه حامدًا؟ لقد وضعتها في موقف لا تحسد عليه. تعلم مدى حبه وتعلقه بها. لماذا عليه أن يدفع ثمن حبها وبعدها؟ ثمن إخلاصه؟ لماذا تضعه وحيدًا في مواجهة الحياة؟ مواجهة الحقيقة العارية. لماذا تكسر أغصانه وتحطم كل جميل؟ ما فائدة العتاب وفرات بعيدة آلاف الكيلومترات! في بلد لا يمت لماضينا بصلة ولا بحاضرنا.
سيأتي حامد بعد قليل، سيأتي وفي نيته أن يجدها، أن يجد الماء العذب الرقراق، أن يجد خصب العالم بين يديه. كيف ستتصرف وماذا تقول إليه؟ وكيف سيكون رد فعله؟ كان الله في عونه أمضى حياته ينتظر كلمة الموافقة. وعندما لانت وكان من الممكن التصريح بها، هربت وطارت أشبه بالحلم، بالحكايات. ها هو ذا قادم، طرقة الباب طرقته. خبأت الرسالة تحت الوسادة، حاولت أن تظهر طبيعية. فتحت الباب، نهر من الدموع تسلل من عينيها. اقترب منها، نشف دموعها، نظر إليها وابتسم:
-ما هذه الدموع، ألم ننته منها بعد؟
-لا شيء يا حامد.
-هل فرات مريضة؟
-لا ولكن...
-هيا تحدثي إنني أتحرق.
-لقد سافرت إلى ألمانيا ولم تخبرني!
-هل هذه أحجية؟
-بل الحقيقة، خذ أيها الصديق الرسالة اقرأها وستعرف الحقيقة.
تناول الرسالة بيد مرتجفة، فتحها. بدأت الزوابع والسحب تهب في رأسه، لم يتمالك نفسه، جلس على الكرسي، كل شيء فيه ذابل، شعر بألم في معدته، شعر بالعطش. استلقى على السرير، وضع يديه على عينيه، تركته وذهبت إلى المطبخ تحضر الشاي. تركته يذرف دموعه، من المعيب أن ترى الساقية وهي تفيض، أن تراه ينشف الدموع المتهاطلة، أن تتفحص وجهه الباكي. جاءت ومعها إبريق الشاي. صبت له كأسًا، وطلبت إليه أن يشرب، أن يبلّ ريقه الذي جف، أن يواجه الواقع:
-هذه هي الحياة، عندما تظن أن المشاكل والصعوبات انتهت تفاجأ بأمور لا تتوقعها، اغفر لها تصرفها يا حامد، عليك أن تجد لها العذر!
-سامحها الله، هل أستطيع أن أقول غير ذلك؟ هل أستطيع أن أنعتها بغير التعابير الجميلة.