بالتأكيد أيتها الغالية عذرتني. فأنت تملكين قلبًا رهيفًا كقلوب الأطفال بنقاوته وحبه. لم يكن أمامي خيار، عانيت كثيرًا حتى اتخذت قرار السفر، حتى أمي لم أخبرها، خوفي أن تمانع أو تعطل السفر في اللحظات الأخيرة. بالدموع أخط رسالتي لأودع صديقة هي متنفسي أوكسجيني ومائي، لحافظة أسراري وشريكتي في الحزن، لفتاة لم تمنحها الحياة لحظة هناء. ومع أننا تعرضنا للقهر، إلا أن ما حل بك لايحتمل. أيام كئيبة سدت الأفق. ولولا الفتى الشهم لكنا جثثًا، أتعلمين كم هو رائع هذا الحامد! كان معنا وسياجًا يحمينا، لا أنكر أن له الفضل في نهوضنا. ما زلت أذكر آخر سهرة حيث بوغتنا بصوتك الجميل ورشاقتك. وكما أغنياتك هي الطريق إلى القلب، فإن صمودك هو السبيل للخلاص. ها هي الدمعة تسقط إثر الدمعة على أعلى الصفحة، فأجففها بمنديلي. أنا الآن ساهرة وحيدة في غرفتي والساعة تشير إلى الرابعة صباحًا. قد لا أنام إذ سأنطلق في الثامنة إلى مركز البريد، فتكون رسالتي هذه آخر بصماتي إليك.
في هذه اللحظة تتزاحم في مخيلتي بعض الأحداث، الماضي والآلام تصطف. أحاول جاهدة إبعادها والغوص في الحاضر. لن أنكر أن حامدًا كان شهمًا ورائعًا. حاولت أن أحقق رغبته، أن نعلن خطوبتنا، لكنني اكتشف أن حبنا كالحمل العنقودي، وأن ما يحدث أكبر منا. ليعذرني على الرغم من أنني أحببته في يوم ما من كل جوارحي. أما أنت يا مهجة القلب، التفتي إلى ذاتك ولا تضيعي وقتك في المراهقات السياسية. تدافعين عن شرائح لا تقدر المرأة، بل تدينها. لقد تناقشنا في هذا الموضوع وكنا على طرفي نقيض. أحترم رأيك لكنني أنصحك أن لا تحاولي حرق المراحل التاريخية، حتى لا تكوني وقودها.
أنا لم أخبرك أن ابن خالتي تقدم لخطوبتي، أمي وأعمامي وأخوالي موافقون، أخاف أن يجبروني على الزواج منه وأنا لا أحبه، ولا أطيق رؤيته، وهذا ما شجعني على السفر، كما أن أخي أخبرني بأنه سيتحدث مع ابن خالتي بعد وصولي وينصحه أن يخطب فتاة تحبه. لن تكون هذه إلا مقدمة لرسائل قادمة، بعد أن استقر ويصير لي عنوان سأراسلك.
مع المحبة
فرات