سألك. قررت الصمت، أن تحاوريه بنظراتك. لم تجيبي على أسئلة أخرى أكثر وقاحة. دخلت الغرفة ومسحت دموعك. ماذا تفعلين لتخففي من الضياع الذي تعيشينه؟ تناولت ورقة وقلمًا وبدأت تخطين عليها شيئًا من روحك:
الصديق حامد:
بداية أعذرني على ما سببته لك من آلام، أنا ذاتي لم أنج منها، لحظة نزولي من الطائرة، تلقاني أخي ودعاني إلى بيته، سافرنا بالقطار من بون إلى أمستردام، فاجأني بنقل سكنه إلى هولندا، بعد أن قرر العيش في بلد زوجته والتمتع بجنسيتها.
كل ما في أخي صدمني. كنت أعتقد أنني قوية، وأن سفري ما هو إلا التعبير عن ذلك، لكنني اكتشفت أن هذا هو الظاهر. أما الحقيقة فإنني ما زلت ضعيفة، ما زلت بحاجة إليك وأنا في وسط أمستردام! ما رأيك يا حامد أنني فقدت عزيمتي؟ وأن تصرفات أخي وضعتني على حافة الانهيار. أما زلت قادرًا على منحي الثقة والقوة؟ كل ما بنيته في خيالي تبخر. هنا حياة أخرى وأناس آخرون حياة كلها مادة تقتل الروح.
أشعر أنني افتقدتُ إنسانًا غاليًا. لقد ظلمتك. لو كانت هولندا تصلح للقائنا، لدعوتكَ وعملت المستحيل، لكن الأحلام شيء والواقع شيء مختلف. طرح عليّ شقيقي اللجوء الإنساني وترك الشام إلى الأبد. جننت، هذا أمر لا أقدر عليه. تصوّر أن الحنين راودني وأنا في مطار دمشق، قبل إقلاع الطائرة تنازعتني أفكار متناقضة. وددت التخلي عن السفر. روح المغامرة والمجهول دفعاني إلى صعود الطائرة. اليوم أندم. كل شيء مختلف، حتى أخي تغيّر. تخيل أنه يشجعني على نسيان الماضي، نسيان دمشق أمي وزادي!
في الواقع المدينة هادئة، والليل أكثر هدوءًا، حتى تكاد تخلو شوارعها من المارة، إلا أن هذا لا يدفعني إلى النوم. أنتظر النعاس فلا يأتيني إلا بعد الإعياء. أغفو ليطالعني الحلم أو الكابوس. أفيق وأنا أكثر توعكًا وتوجعًا. كل شيء ينطفئ ويتحول إلى رماد. أنفخ على الجمر في محاولة يائسة لبث الروح، فأفشل. آه لو كنت إلى جانبي! أتذكرك دائمًا. رسمتك على ورقة ووضعتها في حقيبتي.
أخي وزوجته لم ينجبا، وليس في نيتهما بناء أسرة. من دمشق تصلني تهديدات أمي عبر الهاتف، سترسل ابن أختها خلفي إذا لم أعد. ما زالت تصرّ على زواجنا. أنا في كل الحالات ضائعة، لم أحقق وجودي هنا، ولن أحققه حتى في بلدي! ضاعت أحلامي، ما رأيك؟
راسلني على العنوان المدون على غلاف الرسالة. طمئني عن هلا أرشدني إلى ما يجب عليّ عمله، ولا تتأخر في الرد، وسأعمل برأيك.