يشتعل جسدكِ ألمًا. تمر الأيام ثقيلة وكئيبة. الصراع لازمك منذ وصولك إلى بيته. شيء غير معقول أن يحدثك وكأنه نسي أصله! تختلفين معه في الصداقة، في الحب، وفي اختيار شريك الحياة، والنظرة إلى الأهل والمستقبل. لم تتصوري أن الوطن بات من منسياته، تقزم ليصير المكان الذي يمنحه الجنسية، فقد الغيرة، لا يخاف على زوجته أنى ذهبت ومهما فعلت، ما دام قد تخلى عما تؤمنين به. بدا عليك الانفعال رددت عليه:
-المرأة كما تصفها مستهترة وتصنف كعاهرة.
عودتك الحياة على مرّها منذ وفاة والدك، إلا أن الأكثر مرارة حياتك في الغربة. ماتت الأحلام وسافر الربيع. لا شيء يغري. الليل يطول والساهرون ذوو دم ثقيل، تثقب نظراتهم جسدك. تتركين السهرة، تحط الجبال على صدرك. تقذف عيناك البراكين، وتلومين نفسك.
ألبينا أنسته الدراسة. فهي ليست امرأة عادية، إنها من المرمر ممشوقة ومكتنزة، عيناها تحاكيان الزرقة اللازوردية، تقطر أنوثة. حديقتها بلا عبير رائعة من الخارج، لكن ما إن تدخلها أو تكتشفها حتى ترى آثار الأيدي التي تعبث بمحتوياتها.
أسئلة خبأتها في جفنيكِ حتى لا تبدي متخلفة أو من العصور الوسطى، مع أنك متحررة لدرجة أنهم نعتوك في الغوطة بألقاب لا تليق بابنة الشارع. خرجت إلى أمستردام الخضراء المشبعة بالرطوبة، المفتوحة شمالًا، بينما تأخذ شكلًا منحنيًا أو نصف دائرة من الجهات الأخرى، شوارعها عريضة ونظيفة وحدائقها العامة واسعة ومنتشرة في الأحياء. الشيء الذي أحببته ركوب الدراجة كوسيلة نقل عامة منتشرة بعشرات الآلاف على الأرصفة.
الريح تنفث سمومها في رأسك. تصابين بالزكام. ترتجفين على الرغم من الدفء المنتشر في البيت. تحاولين تفسير نظرات رفاقه، فتجدينها أشبه بنظرات كلب نابح، مستعد للقنص. تجولت في الشوارع العريضة والحدائق العامة وفي النوادي. بعض الأماكن اشترطت على زوارها أن يعودوا إلى بدائيتهم. الكآبة داخلهم لا يمحوها التعري، ولا العويل المنبعث من الصدور.
ازداد الشق وانهار الجدار. قدماك تقودانك إلى المجهول. لا تعرفين طعم الفرح. الابتسامة فارقت محياك، قلبك ينط، ينكمش. لا تحتملين الآراء الغريبة من شخص عادي، فكيف إذا كان شقيقك الذي افتخرت به أمام حامد. يطرح عليك المستحيل. أن تبحثي عن شاب قادر أن يصرف عليك. أجبته:
-أنا أرفض التسول!
-الحياة تفرض الجنس الآخر.
-لم أعتقد أن كرامتي ستهدر في بيتك وبمعرفتك!