فهرس الكتاب

الصفحة 1133 من 1574

-هذه تصرفات رجال المكتب الثاني، دعي الأمر، يومان أو ثلاثة وأكتشف السر الذي يخفيه.

كان لابد من العودة للتخفي، ومراقبة الشاب التي لن تكون سهلة، لكنها ليست أصعب من مراقبة الصلصال. بعد أسبوع رأى أن على هلا أن ترحل من بيتها بسرعة. في صباح اليوم التالي ومع ارتفاع الأذان كانت وعفشها في إحدى غرف بيت أم صالح.

تهب رياح الماضي، روائحه وبخوره وعطوره، مراراته، الطرق التي حملت حكاياتها، وحكايات أخرى، العيد مناسبة للفرح، لزيارة الأقارب. تتزينين. ينتشر عطرك يختلط بالنسيمات المنعشة التي تشعرك بالحنين، بالحب للأرض. يقف الماضي على قدم خشبية يناديك. تتذكرين والدك وعكازتيه:

-آه يا والدي لقد نسيتك، سامحني!

تشعرين أنك خسرت الكثير. لكنك كسبت نفسك. الأحلام تداعبك. تبنين جدارًا من المحبة مع الآخرين. اشتقتِ إلى أخيك وزوجته وأبنائه. طرت إليهم تضمينهم إلى صدرك. استفاق الحزن والفرح معًا. صباح العيد ذهبت مع حسن إلى قبر والدكما، تلبستك حالة وجد، كأن والدك توفى البارحة، ما أزعجك أكثر خراب القبر وكسر الشاهدة. سويتما التراب. زرعتما الريحان وقررتما إحضار شاهدة جديدة تسجلان عليها:

الفاتحة هذا قبر زكي الجودة. قاوم الاحتلال وفقد زوجته وأطفاله. توفي في تجمع النازحين في عرطوز.

ــ 41 ــ

في زمن لم تعرفي قيمة لحظاته تبعتك القوافل الخلبية. تمرح التناويح يفلت الماضي من يديك. تبدئين فصول حكاية جديدة. بقيتِ عشرة أيام صامتةً، تسألين، تراقبين، تخرجين إلى الشوارع. شقيقك سمير اعتبر سكوتك علامة رضا على كلامه وتصرفاته. فتح قلبه وبدأ يحدثك عن حياته، حتى وصلت إلى درجة الانفجار. قذفت سمومك في وجهه وندمت على اليوم الذي جئت إليه. رأيت منه العجب. هو وسط مجتمع نشيط، هو وزوجته «ألبينا» يميلان إلى الكسل ويتصرفان بعيدًا عن الأخلاق، لم تتوقعي أنك ستخاصمينه يومًا. يفخر أنه حصل على الجنسية، بدّل اسمه وكنيته. واجهته:

-ما الذي يجمعني بك؟

-لا يا فرات أنت شقيقتي حملنا بطن واحد، وتجري في عروقنا الدماء ذاتها!

كنتِ مطمئنة على أخيك وأنت في دمشق، أما اليوم فكل ما فيه يخيفك: «أين أنت يا والدي ترى ابنك المدلل الذي حلمت به رجلًا يحمل أعلى الشهادات ويرفع رأسك عاليًا، يغوص في جسد ألبينا» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت