فهرس الكتاب

الصفحة 1138 من 1574

إنه المثقف الذي فاضت ذاته وروحه عطاء لرفاقه، قاد تيارًا ينادي بالعودة إلى نواة الصراع وتفجيرها، وقف كالطود يشد أبناء القدس وغيرها من مدن الضفة الغربية للتنظيم، طارده العدو، دورياته انتظرته في كل مكان يمكن أن تجده، اضطر للمغادرة ليقنع القيادة بأن ساحة الصراع غربي النهر. شد الرحال في ليلة الثامن والعشرين من تشرين الأول سنة ثمان وستين وتسعمائة وألف، اصطدم بكمين وهو في طريقه للتمركز في مرتفعات رام الله والقدس، قاتل حتى نفذت ذخيرته، دخل السجن ولم يخرج منه إلا بعد أن توقف قلبه الكبير .

اشتعلت القدس، ففي الجبال العالية، وفي السماء الواسعة، تراءت نجوم، تأملها الناس وهم يبتسمون، شاهدوها هناك فوق المرتفعات متألقة، تستقبل عروسها مع بدايات حزيران، وقد عرف منها عز الدين القسام وغسان كنفاني وعبد الكريم الكرمي"أبو سلمى"وناجي العلي.. الذين وقفوا باستعداد لاستقبال نجم هائل جديد، ففي يوم الرابع من حزيران عام تسعة وثمانين احتضنوه ووضعوه وسطهم، وهم يزغردون مبتهجين بإنضمامه .

وهاهم يشكلون دائرة هناك فوق جبل المكبر والطور وحي الشيخ جراح والعيسوية والعيزرية والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، حتى الوديان المحيطة بالقدس من جهاتها الثلاث، ألهبت وادي جهنم، وارتفعت ألسنة نيرانها تشكل خندقًا يرد عنها كل شر.

حتى الطبيعة تألمت وفاض حزنها، ولوت الأشجار أغصانها، ففي ذاك المساء القرمزي ودعت شجيرات القندول زهورها الفواحة، مستعدة لربيع جديد، لتكون فيه أشد بأسًا، وقد تعلمت درسًا في الحياة، فقد أقسمت أن تبدأ عطاءها القادم بوفت مبكر، لم تحزن فقد أعطت خبرتها للأطفال الذين صاروا مثلها ذوي جذور قوية ومخالب وأشواك ورائحة ذكية، حتى باتت لاتميز إن كانت هي القنديلة، أم ذاك المقاوم لكل عوامل الجفاف والمحل والموت.

لم تكن القدس الوحيدة التي ودعته، مدن أخرى عربية عرفته، ولعل دمشق أهمها، فلم تكن محطة وواحة كغيرها من واحات العرب، ولم تكن وصال الرغوة كغيرها من الفتيات، إن حبه لهما يجسد حب الإنسان لوطنه وحبيبته الحب الصادق، الذي لا يعلو عليه إلا حبه لمسقط رأسه، ولهذا كان زاد الشام كافيًا، مدّه بذكريات رائعه حتى لحظة استشهاده. دمشق اللمة، الإنسان، التاريخ، الحاضر، الحياة بكل ما فيها، فما أجمل أن يكون للإنسان وطنان أحدهمًا دمشق!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت