أخيرًا فقد حافظت على الحقيقة بالقدر الذي لا يتعارض مع الإبداع، وأنا لا أعتبر الرواية وثيقة ضد عدونا الصهيوني فقط، بل تعلم أجيالنا القادمة وتثقفهم وتوضح لهم الكثير من مواقف العدو ونظراته المتغطرسة تجاهنا، وذاك الصراع المتغلفل حتى أدق الشرايين والأوردة، فالعدو ليس كما صوّر نفسه ولا كما صوّرته الدعاية العربية.. ربما تجد في هذه الرواية ما يجيب عن ذلك.
-الفصل الأول -
بدأ النهار خطواته عصبي المزاج، مغبر الثياب، منفوش الشعر، وجهه كتلة رمادية وصراخه رمال ثائره هوجاء، مع أول خيط نوراني بدأت الرياح غزلها، شيء كالمارد يرتفع، عامود من الرمل والغبار يتصاعد بشكل لولبي وساحة دائرية تتسع وتضيق حسب قوتها واندفاعها، داخلها قوة جذب إلى الأعلى والأمام تدفع ما بطريقها، تصل هذه الهبوب إلى التلة، تندفع قوية على مراحل، العجاج الذي في الأعلى يسير كالسهم ليكون فاتحة العاصفة القادمة المتسلقة التي تنتهي بنسمات حارقة، عند الأبواب يذرف الهبوب دموعه، يدور دورات حلزونية مادًا ذراعه إلى الداخل ساكبًا رعافه متلمسًا بأنامله الجدران ملقيًا بثقله هاربًا من النفوذ وسيناء سائرًا باتجاه النقب والسبع وغزة، أما البقية الباقية فقد غطت وجهها بستار تاركة الأسوار والحديد متجهة إلى الشرق أو الشمال للانتحار.
لم يتوقف الغبار عند أول هبوب، ما أن انتهت أول عاصفة حتى بدأت غيرها بالطريقة ذاتها، الرياح تعوي والصباح يجفل وتتكسر رموشه تحت أقدامها، يصيب الرماد ذاك الوهج المنبعث كعادته من الشمس، والذي ظن أن اليوم سيكون كغيره من الأيام، وأن الصباح سيلبس حلة النور كالصباحات السابقة.
تناغم نباح أم زوبعة مع اقترابها من السجن، زادت سرعتها، دارت الغرف والأقباء، حاولت بحركتها الحلزونية الخروج من الفخ الذي نصبته لنفسها، انعقد لسانها حين حجزت في إحدى الزنزانات، كل شيء صامت. تذكرت قوتها الآتية من عمق الصحراء، أرسلت رياحها الخماسينية، بهتت ألوانها، وانفجر سعالها الحاد المترافق مع لفحات حارقة، وكما يسف المريض بعض أنواع الدواء، فقد تسللت إلى الفم، تصّر تحت الأسنان، أشبه بطفل يلتهم التراب.