كان ذاك الصباح غير عادي، أفاق السجناء، أضافوا إلى أحزانهم حزنًا جديدًا، النهار من بدايته يبدو معتمًا، يقف سجن بئر السبع في مواجهة الطبيعة، تتجمع بجانبه أكوام الرمل، تمر الزوابع كالغيوم، واحدة تترك كومًا وأخرى تمحوها. تتسلل كمية من الدقيق إلى غرفة السجن الكبيرة، اضطروا في كل مهجع إلى نفض البطانيات والملابس المعلقة على الجدران، ليجمعوا ذلك في دلو.
أمضى عمر القاسم ليلته جالسًا في فراشه، عيناه تتنقلان من واحد إلى آخر أشبه بأم تسهر على مريضها. السماء الواسعة أدركت الرياح قبتها، شعر أنها ضيقة، تهبط قليلًا إلى الأسفل، الشمس التي تسلل شعاعها ما هي إلا شمعة تشتعل وتنطفئ أمام هبوب الرياح، أحس بموجة من الكآبة، فرد وجهة علّ الكآبة ترحل، عليه أن يكون مرحًا ليترك انطباعًا حسنًا. لا يعرف لم شعر بالضيق ؟
أهو هذا الصباح أم الخبر الذي وصله عن ترحيله إلى سجن جديد؟ أعليه أن يظل حزينًا ويعود إلى ذاته وذكرياته، أم يتابع حديثه عن الكون والثورة والسجن؟
كانت السماء لوحة سريالية، فيها من النجوم والكواكب وما يجعل الإنسان صغيرًا أمام الكون الرهيب، نظر إلى الأضواء الخافتة وتلك المشعة، نجوم لها أشكال مختلفة منحنية ومستقيمة ومتعرجة، وبعضها ذات أشكال هندسية دائرية أو خماسية، قضى ليله يدقق في تلك الأشكال، وما ترسمه القبة في نفسه من فرح وتعطيه من الحرية أضعاف ماحلم به، غازل النجوم، إحداها تبتسم بطريقة غريبة وتمد أذرعها وتفتح فاها، اقتربت من نجمة أخرى، فتل رأسه، وضع يديه على جبينه، فركه بأصابعه حتى ذهبت الدوخة. نظر إلى الأمام حيث النهر بمياهه الرقراقة قرب المخاضة، أخذ يرسم طريقه إلى الداخل، إلى جبال القدس ورام الله، إلى تلك الجبال الوعرة المسالك، التي تتناثر فيها الحجارة من حجوم مختلفة حيث تشكل تضاريس قائمة بذاتها، تفضي الارتفاعات إلى ارتفاع آخر أو إلى انحدار فهي مليئة بالمضائق، جبال عرف كتلها، تذكر الممرات التي وصلها والكهوف التي أختبأ فيها. أشعرته إقامته بضعة أيام بلياليها بمسؤولياته، ليل لا نهاية لعتمته، الحلم لم يفارقه، بندقيته إلى جانبه مهيأة للإطلاق، من حوله تفعل الحيوانات فعلها، أصوات دبها وعراكها، أصوات تجعله منحفزًا. اعتاد هذا الجو، لم يعد يثيره أو يخيفه، فكر مرات بمصيره، إذا جاء الجنود وطوقوه، ماذا يفعل ؟