فهرس الكتاب
أغمض عينيه وأسند رأسه إلى المخدة، الأميرة تقف أمامه بكل شموخها وعنفوانها، طافحة بالأنوثة والصداقة، تبتسم ابتسامتها العذبة الشفافة، تميل بعنقها فيرسم شعرها لوحة راقصة، تشف عن جسد لدن كالعجينة، ونظرة يفوق جمالها نضارة الزهور والزنابق.
ابتسم وهو يستعيد ملامحها وتصرفاتها، ذكرته بدمشق وبدراسته الجامعية وبقاسيون وبردى وبشارع أبي رمانة المفضي إلى بيتها الأنيق، والعادات الدمشقية التي تتمسك بها. منذ اللحظات الأولى لمعرفتها دخل قلبها دون استئذان، بدا اهتمامها به واضحًا، ما فتئت تردد على مسامعه كلماتها الغزلية الرائعة، كلمات جميلة كلها دفء ومودة ولهفة وشوق. في الفترة الأخيرة ترددت كلمة أحبك في سياق حديثها، فظهر الفرح والألق في عينيها، وفار صدرها يفصح عن قلق داخلي وتوجس، سألته إن كان الحب غاية في حد ذاته أم وسيلة؟ هرب من إجابتها أول مرة بانطباق الشفتين وتوحد القلبين، وظل لا يجيب عنه حتى آخر حياته، وعندما ما يخلد إلى ذاته يتشاغل عن الإجابة .
قالت له وهما يمشيان تحت المطر:
هل هناك أروع من المطر والحب، هما لا يغسلان الأبدان فقط بل يطهرانها !
-أنت كالمطر ياوصال قادرة على بعث الحياة من رقادها كلما ابتسمت أو أشارت عيناك إليّ بمودة .
تجرأت وحدثته عن الخطوبة وروعتها، ثم صارت تذكره بمناسبات عدة وما تخلقه هذه الكلمة من تآلف ومودة، جرها ذلك من حيث لا تدري إلى الكلام عن الأسرة والحياة الزوجية. احترم رأيها في البداية، لكن الحديث حول الزواج غير مرة جعله ينتفض ويصرح عن أفكاره، فقد اتهمها بأن تفكيرها لا يتعدى أربعة جدران، حياة صغيرة وزوج وأطفال وبيت مسجل باسمها والظهور بملابس أنيقة بحيث تعطي الأولوية للشكل، ركز على أهمية المضمون والجوهر، حاول أن يقنعها بوجهة نظره التي ترى بأن السعادة غير مفصولة عن الآخرين، فالمجتمع خلية متكاملة، والسعادة في العطاء بلا حدود وبلا ثمن، أما الحب والزواج فقد قال عنهما:
-علينا فصل الحب عن الزواج، الناس يتزوجون لا للحب فقط، بل لحاجتهم إلى المتعة والأطفال، وأنا لا أشعر أن هذه رغبتي الآن ... ربما عملي في حركة القوميين العرب هو الذي ولد لديّ إحساسًا بإعطاء الأولوية للقضايا السياسية والاجتماعية وليست للفردية، ربما لا أكون محقًا في ذلك من وجهة نظرك.. اعذريني .