فهرس الكتاب
-ابتسم يا أخي، أنت الظل الخفيف الباقي في البركس، الرفاق بحاجة إلى روحك المرحة، روحك التي تعطيني القوة، دعني أرّ المرح في عينيك وفي حديثك. امنحني في الفكاهة ما يبدد عتمة الطريق .
-أيها الرفيق لا أجد بلا قلب، دعني أحزن بطريقتي وأعدك أن لا بفقد الأمل ولا الفرح.
كما الرذاذ يرش الأرض ويبللها، فقد تبللت وجنتا سليم واغرورقت عيناه بالفائض من الدموع، أشاح وجهه وهرب إلى زاوية المهجع كطفل صغير أغلقت الدروب في وجهه، أو كطفل حرم من مصروفه اليومي، مسح عينيه بطرف كمه عاد وجسده يهتز، حاول أن يبدو طبيعيًا، أن لا يشعر الآخرين بتأثره وانفعاله، وكفكف المطر الهاطل على خديه، تخلص وجهه المدي من احمراره، أحس بضعفه، فافتر فمه عن ابتسامة صفراء، بلع حزنه وكتم عواطفه، اصطنع الفرح ليداري ما به من ألم وحزن، لو أطلق العنان لدموعه لسالت كالأردن، لكن مثل ذلك لا يتناسب مع رجولته، حاول أن يحافظ على صفاء وجهه وسريرته، ليخفي ما بداخله، فهو مرآة القلب والمعبر عن عالمه الجواني. حث الرفاق على الاقتراب من عمر. الذي يحاول أن يشغل نفسه بقراءة عواطف زملائه الذين سيفتقدونه، الحزن مطبوع في بؤبؤ عينيه الزرقاوين. عيناه تائهتان وجسده القوي تراخى، موقعه السياسي ونظرة الرفاق إليه هو ما منعه. جفف دموع قلبه التي فاضت على شراينيه وأوردته، وقبل أن تتملكه لحظة الانفعال صافحهم واحدًا واحدًا. أشاد المطر المزن لوحة على قسماته، بينما خطواته المتثاقلة بانتظار أمر الترحيل.
طال الوقت، تفتت الدقيقة إلى مليون ثانية والثانية إلى أجزاء أصغر منها زمنًا، منذ الصباح جهز صرته، في أي لحظة يتوقع من يناديه. خرجوا إلى"الفورة"للتنفس بعيدًا عن جدران الغرفة السميكة، لا حظوا الإجراءات الأمنية المتخذة وحالة الاستنفار، مثل هذا يذكره بأيام الإضراب حين تلزم إدارة السجون طاقم السجن بالاستنفار والدوام طوال اليوم.
إجراءات الأمن داخل السجن وخارجه غير عادية، السيارة الزنزانة تقف في نهاية الممر المؤدي إلى الباحة، بحيث لا يستطيع الخارج أن يرى ضوء النهار، من البركس إلى السيارة مباشرة، بينما انتشرت الدوريات في باحة السجن وغير بعيد من هناك وقفت أربع سيارات على شكل رتل وفي المقدمة سيارة شرطة عسكرية، وخلفها واحدة أخرى إضافة إلى حوامة تراقب الطريق ودوريات راجلة مجهزة بعتاد كاف.