فهرس الكتاب

الصفحة 1149 من 1574

-تريد أن تقول بأننا مختلفان فكريًا ‍

-أنا لم أقل شيئًا من ذلك.. ما بك تصمتين.

-دعنا الآن من ذلك وحدثني لا تبتعد عني بأفكارك، لنتحدث عن الحياة، عن الفرح الذي يهرب كلما لامس عينيك، عيناك الحزينتان أقادرتان على منحي إياه؟ كيف تهبني ما تفتقده ؟

لماذا لا تظل معي. دمشق جنة الدنيا، لا تصمت، قل أي شيء‍

نظرت إليه تبحث عن ذاتها، عن حبها، تقرأ أفكاره، وعندما لم تجد ما يطفئ حرارة لهفتها أضافت:

-أحلم بك، أحلامي في عينيك، أجبتك بكل جوانحي، لا تدعني أمت حسرة وكمدًا ‍

-أنت تدفعينني للتغزل بعينيك اللتين رأيت فيهما سر الخلق وروعته، فأدركت كم هو عظيم ذاك الخالق ‍

كانت وصال عشيقته التي لها مذاق شهي ولروحها انطلاق الحساسين، دائمًا تدفعه إلى التغزل بها وتأمل جمالها الخلاب، والتفكير بإجابات محددة حول وضعه، ماذا عليه أن يفعل عندما أخبرته ذات مرة بأنها ستظل وفية لحبه وهي العارفة بأنه لن يتزوجها.

حاول مناقشة كلامها الغريب ورفعها للتريث وعدم اتخاذ القرار. أجابته بأنها في منتهى الذكاء حين اتخذت ذلك مبررة قولها:

-أعلم أنك تحبني وغير قادر على اتخاذ قرارك، أشفق عليك، فالذي لا يحس بالآخرين وبعواطفهم تجاهه، لا شيء في العالم قادر على إعطائه ذلك، الآن ربما تفهمني، أحبك مجنونة حبت مجنون .

رنت في أذنه بقية كلامها، عبارات منداة تفتحت أزهارها في الغوطتين وترتسم الآن بقايا أوراقها وسوقها فوق جدار البركس رقم سبعة، حدق بالسقف وابتسم لبقايا صدى في الروح والقلب وفوق سطح الذاكرة. ظل طوال الليلة يتجول في بستان الذكرى، يستعيد كل لحظة مرت به في دمشق، عندما طلع الفجر نادى رفاقه أن ينهضوا، أفاقوا وهم يعلمون أنه لم ينم، كلهم يعرف عادته ويسميها سليم الدوري ليلة القدر .

سليم الدوري ابن الخليل الذي لم يعرف الحزن طريقًا إلى فؤاده، حتى عندما اعتقل وحققوا معه أجابهم ببرود أعصاب وتهكم:

-هل تظنون أنكم شجعان بانتصاركم، لا والله نحن أعطيناكم البطولة، جيوشنا تحمي الحدود وحكوماتنا ترتبط بمعاهدات رسمية، تصوروا لو لم يكن ذلك ما الذي سيحدث؟

-اخرس يا حقير، أجب بقدر ما يسمح السؤال.

حرك المحقق يده بعصبية، ترك كفه توردًا على خد سليم .

كان في قمة حزنه يمزح ويضحك، أفاق صباحًا عابسًا، نظر إليه عمر مليًا وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت