فهرس الكتاب
أربع سيارات مغلقة مكلفة بنقل الدفعة الأولى من السجناء. توقفت في سجن طولكرم ثم تحركت إلى بيت ليد من هناك إلى عسقلان، ومنها إلى بئر السبع حيث ستتطلق القافلة عصرًا باتجاه نفحة دار عايزر على البركات نادى على المطلوب ترحيلهم، حمل كل واحد صره كبيرة، قادهم لتسليم ملابس السجن، ظلوا عراة قبل أن يتمكنوا من ارتداء ملابسهم المدنية. شد الأصفاد على أيديهم بينما السيارة الزنزانة تطلق بوقها. جاء عدد من الحراس، دفعوا السجناء بأكعاب بنادقهم وبأحذيتهم إلى خارج الغرف ومن الساحة إلى حيث تقف السيارات، وظلوا كذلك حتى أدخلوهم الزنزانة المتحركة، وهم يكيلون لهم أقذر الألفاظ"هيا يا أولاد القحبات إلى نفحة، هناك سترون غضب الإله كما وصفه قرآنكم"لم يكتفوا بذلك بل تمادوا في ركلهم وضربهم، وعند صعودهم إلى السيارة سددوا إليهم لطمات عدة، ثم أغلقوا الباب بالقفل. كانت السيارات محشوة بالسجناء ومع ذلك أفردوا لهم مكانًا ليجلسوا .
قهقه مدير السجن وأصدر أمره بالعودة إلى الحالة الطبيعية وإلغاء حالة الاستنفار القصوى. استدعى الضباط إلى غرفته وقدم لهم القهوة. أشعرهم أنه سعيد، تعالت الابتسامات والتعليقات التي ركزت على التخلص من أشرس أسير عرفته السجون الإسرائيلية، ليس هذا فقط بل قدرته على الجدل والإقناع مما يدفعهم إلى تفادي نقاشه .
لوحت الأيدي من طاقات"البركسات"العالية، أغلب الظن أنه ركب بعضهم فوق أكتاف بعضهم، أطلق سليم زوج الحمام الهزاز الذي دار دورات عدة قبل أن يتخذ وجهة الجنوب .
في السيارة الزنزانة بلغت درجة الحرارة حدًا لا يطاق، فالشمس الحادة تتضاعف درجة حرارتها أكثر فأكثر كلما لا مست الحديد. يتصبب سيل العرق من الأعلى إلى نهاية القدمين مشكلًا ساقية من الحمم، ترافق ذلك مع ألم في العينين، الملوحة والدبق يخففان من الرؤية، تفرز العين دموعها، يختلط الدمع بالعرق. الوجوه تتصافح، تتلمس مواطن القوة في كل فرد. الابتسامة هي الرد على التحية وهي اللغة المشتركة على الرغم من ملوحة الشفتين وتيبسهما .
الزنزانة المتنقلة أشبه بصهريج كنفاني، لاشيء يعملها بالعالم الخارجي سوى فتحتين مستطيلتين متقابلتين عليهما قضبان حديدية... العرق المتصبب جعل ملابسهم رطبة، كطفل فعلها في بنطاله، انتشرت الرائحة الواخزة التي هي مزيج من العفونة والرطوبة والتعرق ورائحة كل منهم .