فهرس الكتاب
الذين يذكرون هذا التل يحكون قصص عشق سورت التواءاته وجنباته، عند كل منحى جلس شاب وفتاة من البدو يتصارحان، بعد أن أرهقهما ما يحسان به كل تجاه الآخر دون قدرة على البوح، تعاهدا جانب صخرة أو نبتة شيح، وككل محبي البدو لا يصل العاشق إلى حبيبته، التي تكون من نصيب الذي ارتضاه أهلها صهرًا. تمر الأيام وتحتفظ الذاكرة الشعبية بقصص الوله والعشق، فيظل المحبون أحياءً في المكان الذي ارتادوه، وتظل قصصهم على كل لسان. وصلت الجرافات هرست في طريقها كل أثر للماضي، لم يعد واضحًا مكان قطشة وعواد وحمدان وغزالة وهذيل وهيلة وعقل وبورة.. ولكل واحد من هؤلاء قصة حب تقطع نياط القلب، وللحجرين المتقابلين قصة مع الشتاء، إذ تواعد عاشقان في ليلة باردة، جاءا والظلام يلف المكان، لم يبصر أحدهما الآخر، ظل كل منهما ينتظر الآخر وهو غير بعيد عنه سوى أمتار قليلة دون أن يعرف بمقدم حبيبه، وعندما جاء الصباح كانا قد تجمدا بردًا، وتوقف القلبان. منهم من قال إنهما مارسا الحب بعد لقائهما فمسخهما الله، ومنهم من قال إنهما آدم وحواء حين خرجا من الجنة عراة، ارتاحا أثناء سيرهما الطويل باتجاه الشمال في هذا المكان.
تنتصب حول التل الخيام السود مع نهاية الشتاء، في سنوات الخير يستوطنونه وغالبًا ما يتذرؤون به من الرياح الغربية والجنوبية، فالبرد في الشتاء"يقص المسمار"ويتسلل إلى العظام جافًا دون مطر، أما بقية فصول السنة فصيف قائظ وعجاج لافح وعواصف رملية .ينتقلون مع الريح ويبنون خيامهم في الطرف المقابل، فيصير مصدًا يحميهم. في الصيف تخف درجة الحرارة كلما بلغنا أعاليه، هناك تسمع همهمات قادمة من الأعلى، تبحث عن مصدر ذلك فلا تجده .
الخماسين رياح الموت الصفراء تحيل كل شيء إلى رمادي قاتم، يسوّد الجو، يغبرّ، يصير خانقًا وترتفع سحب الزوابع حاملة الدقيق وذرات الرمال، تدخل بعض حبيباته الناعمة إلى العين، فتحد من الرؤية، يضطر إلى فركها، تدمع وتخرج الحبيبات الرملية التي تنحدر إلى الخدين. يقال إن مصدر تقلبات الرياح الشديدة كونها تؤمر من الجان. كلما كانت شديدة فدلالة على أن ملوكهم على رأسها يزفزن عرسانهم. للبدو تقاليدهم الخاصة في مواجهة هبوبها، منها رش الماء والملح والرماد المتبقي من النار وقراءة بعض الآيات وقصار السور والأدعية، ودعوتها أن تتجنب المرور بخيام الكرام بقولهم"هبي على البخيل".