فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 1574

هكذا عاهد البوشناقي نفسه، وكانت صورة المدينة بقصورها وبساتينها، تلاحقه في كل أحلامه، حتى بات مجنونًا بها، وهذا الجنون قاده في رحلة الشرِّ والمجد، كتعويذة حارسة، تقيه مخاطر الطريق، طريق طال نحو الهدف.

ـ تنال مرادك، وترقى سلم المجد.

قالت له امرأة... ولأنه لا يثق بالنساء، أشاح بوجهه، تاركًا لماء الرضا أن يسري في عروقه. وقذف بقطعة ذهبية أمامها. فرنَّت بارتعاش، وكأن بغداد تأتي إليه، بإرثها وتأريخها، وأيامها، وتسلمه مفاتيحها.

ـ من جاد بالذهب، ذهب شره.

ولملمت نفسها، ثم اختفت في شارع جانبي، وكأنها مرسلة لتقول كلمتها المبشرة، لا أكثر، فردّد:

ـ لا يأتي ذهب من غير دم.

وتلمَّس خنجره الوحشي، وكأنه يستعد لقتال عدو غامض.

النوم في الأزقة القذرة.

يعلمك استنشاق رائحة القذرين، والقتلة، والمؤامرات عن بعد، لكنه لا يبعدك عن الأحلام بحياة نظيفة، تلك إحدى أفضليات حياة الباشا السابقة.

منذ هلال مضى.

صدرت الإرادة السلطانية إلى الباشا عبد الله البوشناقي في التوجه واليًا على بغداد، التي دفع نصف ثروته للحصول على ولايتها، فسرَّ بذلك سرورًا عظيمًا، فقد حقق حلمًا قديمًا طالما أرَّقه، وراوده في لحظات صفوه، أخيرًا بغداد!!... بغداد الرشيد والبرامكة وألف ليلة وليلة، والزعّار والعيَّاق، بغداد اللصوص النبلاء، علي بابا والدليلة المحتالة، وعلي الزيبق.

وبعد أن قام الباشا بتصفية أموره في ولايته، توجه إلى الولاية الجديدة، ومناه أن يصل، وقد أعدَّ موكبًا يليق بمكانة ولايته وحلمه العاشق. وكأن هرون الرشيد، يعود من غزاة ظافرة، أو حج، مما أوغر صدور الأعداء والأصدقاء عليه، فتوالت المراسلات إلى الأستانة، وطار حمام زاجل كثير إلى قصورها، وأصبح الرجل حديث الولايات وموضع حسد باشواتها.

وبعد مسيرة أيام.

جاء الأمر بعزل الباشا عن بغداد بحجة أن المماليك، نصَّبوا من أنفسهم واليًا جديدًا عليها هو المدعو علي بك، والأستانة لا تريد أن تخلق فتنة، لا يحمد عقباها، وقد قرر السلطان توليته إيالة أخرى لم يسمع باسمها من قبل، فعلم أن الأيام القادمة وربما السنوات ستكون شديدة البرودة.

وزيادة في النكاية به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت