فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 1574

سرَّب التتاري القادم رسولًا من الأستانة الخبر بين الحاشية، فانفضَّ كثيرون من حوله، ذابوا في حمص، وبقي معه أخلص رجاله ومماليكه، فأكرمهم، ليكونوا عدَّة حربه وجلاده في حربه الطويلة ضد خصومه، وحساده، وظل حذره، يلازمه، فقد تعلم ألاَّ يثق بأحد سوى خنجره وزنده القوي.

ـ لا تترك لهم فرصة الوصول إلى عنقك بخناجرهم أيُّها البوشناقي.

أعلن... ومنذ ذلك اليوم ينتظر فرصة، ليظهر لرجاله، أنه الرجل الذي لا يقهر.

في الصباح تحمل الركب باتجاه الإيالة المنسية.

في ذلك الحماد الأجرد، الذي اختاره الباشا عن عمد، ليوقف تسلل رجاله وهربهم في المدن المزدحمة، والأزقة الضيقة أو الحانات، وقد استردَّ الباشا مزاجه الرائق دون أن يستسلم أو يضعف.

ومنذ بداية الرحلة، كانت عين الباشا تترصد الرجال، وترقب حركاتهم بحذر غير معلن، فلفت نظره مملوك شاب من مماليكه كثير الصمت والتلكؤ، والشرود والنظر إلى الخلف، يظل في نهاية الركب، ويتثاقل في تنفيذ مهامه.

ـ هذا الشاب ضالتك.

قال الباشا لنفسه، والدروب تتلوى، ثم تندثر، وكلها متشابهة، تقود إلى فضاء مقفر، وطبيعة قاسية، تلال وشُعبان وسهوب، ولا ماء أو بشر أو شجر، والرجال يمضون، تخبُّ بهم خيولهم، مخلفين وراءهم زوابع صغيرة من العجاج الهابَّ، وكأنهم فرسان قدر غامض يمضون إلى مصيرهم.

ـ هذه البراري الموحشة، تورث الجنون.

قال حرس شاب لآخر، فضحك وحصانه يرجّه، ويندفع به، ثم صاح:

ـ اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم.

ـ العالم بلا نساء مقبرة.

ولكز حصانه، فتقدم إلى الأمام، حتى بات قريبًا من الباشا، فشدَّ عنان الحصان، فقصَّر من عدوه، ليحافظ على المسافة بينه وبين الباشا، ووسط الغبار المثار كان الشيخ المجذوب في عربة المؤن مع زوج الماعز الشامي، يرتل أدعيته وأناشيده الصوفيّة باستغراق، وقد أغمض عينيه باسترسال وشوق، وكأن هذا العالم لا يعني له أكثر من هباء.

ـ لا تغفل عن الفتى.

قال الباشا... ولأنَّ للصحراء عاداتها، هبت زوبعة من العجاج الخانق فجأة، فأظلمت الدنيا، فاضطرب الركب، واختبط، وحار الرجال فيما يفعلون، فالتراب وعويل الريح، وخشخشة الأوراق الجافة، كل ذلك خلق حالة من الفوضى.

ـ اللعنة...

دمدم الشيخ المجذوب خائفًا على زوج الماعز الشامي.. ثم أتبع:

ـ بحق اسمك، أسالك كشف الغمَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت