فهرس الكتاب
لم تتوقع أن يبقى معها في الشارع وفي الفراش وفي ذاكرتها المتعبة وعلى المائدة، غير قادرة على التخلص من خياله، جاهدت والدتها لتمنعها من السفر إلى القدس، لكنها كانت قد قررت المغامرة، فإذا لم تسافر فقد تصاب بمرض أو يصيبها مس من الجنون، عيناها متورمتان كل صباح وخداها ذابلان تكاد قوتها لا تساعدها على النهوض ،
القدس جميلة بكل ما فيها من آثار وأناس ظن عاشت أربعة أيام دارت فيها ولفتها بصحبة عمر، وخلا كنيسة القيامة من باب صغير غير بعيد عن خان الزيت ومياحة الدباغة، تملأ ساحتها وأعمدتها اللاتي ترفع ناظريها لخالقها، انطلقًا إلى باب الساهرة الذي يقع ضمن برج مربع، وإلى الباب الذهبي الذي يقع جنوبي باب الأسباط، وفي المسجد الأقصى صلت ركعتين طلبت من الله أن يبارك حبها .عادت عصرًا، رمت نفسها على الفراش متعبة وهكذا في كل يوم.. ضحكت كما لم تضحك من قبل، شدت على يده خوفًا من ضياعه، الوجوه المبتسمة التي قابلتها ارتاحت إليها. أحبت أم عدنان وقضت معها ساعات طويلة تستمع إليها خاصة عندما تحدثها عن عمر وهن في الفراش.. اشتاقت لدمشق وأخذت تتحدث عنها شوارعها وساحاتها وأبوابها فهي بالنسبة لها وللشاميات شيء آخر ؟، جنة لا تجدها لا في عدن ولا في القاهرة، ولافي أي مدينة في العالم حيث النهر والجبل والغوطة وجمال النفس والروح، في آخر يوم طلبت إليه أن يعود إلى دمشق، رفض بعناد وقال:
-منذ متى يترك الإنسان وطنه ليعيش في وطن من يحب
-إنها العروبة التي تنادي بها ما الفرق إن كنا هنا أو هناك، لا تنسَ أن دمشق أعطت لبنها وأرضعت كل العرب من قيس وعدنان .
-هذا الكلام يصح لو لم يكن وطني محتلًا، مصير الوطن لا يكتبه إلا الشرفاء ..
ظلت تحاوره خائفه عليه من نفسه ومن بنات القدس ومن الأردن ومن قادته ومن اسرائيل .لكن رفضه كان نهائيًا لا عودة فيه. سكبت دموعها وهي تنظر إلى وجهه وعينيه الزرقاوين، صعدت إلى السيارة، جلس إلى جانبها حتى قبيل تحركها، وضع يدها في يديه، وقال لها:
-أنت أنشودة وتاريخ وجرح وفرح، سأظل أحبك، وداعًا .
نزل من السيارة ولوح لها ثم اتجه إلى بيته، دفن نفسه في الفراش أيامًا عدة قبل أن يتماثل للشفاء .