فهرس الكتاب
في أول مساء لسفرها ظل القمر راقدًا يحلم بعشاق حدد يرافقونه طوال الليل، لم يجد سواه يسهر معه الليل الطويل وليال أخر، يتجول في الزمن يستعيد شيئًا من حيويته، ويلملم كلمات العشق التي قرأها والتي اسمعها لحبيبته، الآن تأكد أن الجرح الذي حاول أن يرتقه قد فتح فاه، وأن الصدر الذي تحترق فيه النيران ستظل مشتعله فأنشد: في القلوب تشتعل النيران، فيولد الحب وتنمو الحرية، لكن النيران تظل متقدة،
فيهرب الحب وتحترق الحرية، ويسافران إلى بلاد تعرف الحب وتقديس الحرية.
في الليالي التالية توشحت السماء بالغيوم، وهبت رياح السموم، في النهار بكت الشمس واحتجبت، تفرقت الغيوم تاركة لونها الرمادي الذي أخذ بالتبدد، بينما فقد القلب توهجه، وتدثر بالسحب، في حين بدأت الرياح ترتوي من نبضاته، فهدأت في الخارج .
هذل الليل ومازالت أصوات تتردد هي مزيج من الهزيز والعواء والفحيح ونباح الكلاب المتواصل، في حين هدأت حركة العساكر والحراس. كانت في داخل كل سجين وحشة بقدر يوم الترحيل.
أجسادهم المحطمة ترفض النوم وهي بأمس الحاجة إليه، إنه يوم ثقيل ليله كوابيس. أغلق الحراس الأبواب دون أن يحضروا الطعام والأغطية، لم يكن في نيتهم المطالبة لا بالطعام ولا بالفراش. الإهانات التي استقبلوا بها كافيه لذواء الروح. وباتوا ليلتهم على الأرض أسندوا رؤوسهم إلى الجدار القاسي، ونام منهم من نام، وظل مستيقظًا من ظل محدقًا وتائهًا طوال الليل. ومنهم لم يفرق بين لحظات نومه وصحوه، إذ نام نومًا متقطعًا، ومع أن ليالي السجن طويلة، فقد كانت كل الليالي السالفة قصيرة بالمقارنة مع هذه الليلة، الرياح هدأت قبيل منتصف الليل، لكنها ثارت من جديد قبيل الفجر، أسرعت حاملة ما قل حمله من عجاج ليتسلل تحت الأبواب ويمر عبر النوافذ، أما النجوم فقد كانت زائغة البصر خجلى في ساعات آخر الليل، فضلت الهروب قبل أن يغطي العجاج ضوءها .