فهرس الكتاب
طاف عمر ربوع دمشق وعمان وفي الإغوار جاءته وصال مهرولة، علمت ما خطط بكت بين يديه، رشح جسدها العرق والدبق فالتصقت ملابسها، نهداها المندفعان اختنقا، حاولت تهوية ملابسها، بيدها حركت الهواء، لكن الجو الخانق لا تنفع معه لا المراوح اليدوية ولا الكهربائية.. كادت تختنق، أصابها الدوار، قعدت على الأرض، من أين لجسدها كل هذه المياه المتسربة أسراب الناموس دارت حولها دورات عدة قبل أن يقرر الهجوم، ضربت بيدها مكان اللسعة فاحمرت وتحجرت، ثم أخذت تبعده عن وجهها، وعندما لم تفلح ركضت. ظنًا منها أنها قاردة على تضليله، سهر معها حتى الصباح، وخاض أشرس المعارك على جسدها البلوري المنتفخ.
لم تستطع النوم، خرجا غير بعيدين عن القاعدة، القمر يرافقهما ليمرا على ضوئه الفضي ويشاهد الحياة الجميلة والوادعة، نهضت وحركت شعرها وجففت عرقها .
ابتسامتها أشبه بقرنفلة تتفتح، علق العبق في ثيابها، ووهب جسدها رشاقة العصافير، نظر إليها، ابتسم، عيناها تحاكيان القمر، تشعان بريقًا ودفئًا، شعر بنسمة ناعمة، جسدها يتمايل غنجًا في حين ظلت حواسه متحفزة يقظة فرحة، قالت:
-أفكارك غير قابلة للتمثيل، ولا أحد غيرك سيجر على نفسه العاقبة الوخيمة، أصح لنفسك وأعرف من حولك، أي تطرف تعيشه!
في الصباح رافقها إلى أربد ومن هناك عادت إلى دمشق دامعة العينين،
منكسة الرأس، خاوية، قررت أن تصلي كل يوم لينقذه الله. لقد أدركت أن أفكاره ستجره إلى الهاوية، ولاشيء أمامه سوى الموت.
لاشيء يجعله يحس بإنسانيته سوى الذكريات، سيعيش على شذا الماضي، سينسى أنه قام بعملية وقبض عليه ومازال في السجن، اثنتا عشرة سنة عد أيامها وساعاتها ودقائقها لحظة بلحظة، ولاشيء سوى التعاسة، مازال يحتفظ بأدق التفاصيل. العذاب الذي تعرض له. تساءل عن الإنسانية والحرية والعدالة وأفكاره حول ذلك. الثورة الفرنسية وما طرحته.
هل هو إنسان؟ هل في الدنيا من يتحمل العذاب؟ فكيف إذا كان مسلطًا عليه! السياسي مثقف واع يرسم حدود ذاته وتطلعاته، يخط بيده على جدار الزمن، يسجل اسمه، يحلم بالحاضر والمستقبل، لم يتخلى يومًا عن أحلامه، وهو القائل:
-أذا توقفت أحلام الإنسان توقفت حياته .
حاولوا أن يقنعوه بأنه يعيش بلا خيال ولا أحلام، تذكر قسمات الذين عذبوه، وجوههم وأنوفهم، أيديهم القاسية وأصابعهم الغليظة، أكفهم التي تشبه خف الجمل، ملامحهم الخشنة وكأنهم قدوا من الصخر .