فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 1574

وقد صدق كلام قره يوسف، فما إن دنا الركب من المضارب، حتى اختفى معظم السكان في بيوتهم، خائفين من القادمين، فكانت كلابهم أكثر شجاعة، فصالت، وجالت، وهي تنبح بشراسة وقوّة.

ـ من يسكت هذه الكلاب اللعينة؟!..

قال قره يوسف بغضب، فتقدم اثنان من الحرس إلى الأمام، فتراجعت الكلاب الهائجة إلى الخلف، وهي تثير زوبعة من الغبار، ومن بيت من البيوت الكبيرة خرج جماعة من الرجال يرتدون الملابس البدوية، وقد بدا على أحدهم مخايل الرئاسة والوجاهة، مما يدل على أنه سيّد القوم، تقدم راجلًا من الباشا، مرحبًا به، وبرجاله، ثم دعاه إلى ضيافته، والضيف عند البدو مقدَّس.

ووسط النيران، وحركة الناس، ورائحة القهوة ودم الذبائح، ورائحة الطعام، وجد الباشا نفسه سعيدًا، وذا سلطة على رعيَّة وخلق، فغادرته تلك المشاعر السوداء التي رافقته في رحلته الطويلة.

ـ 2 ـ

"بنات آوى... تنتظر".

عند الفرات توقف موكب الباشا.

فنظروا جميعًا بانبهار إلى الماء الدافق بهدير صاخب، واسترسال، وأشجار الغرب العملاقة، تنحني كعرائس الجن على النهر، تغسل شعرها في مائه، بينما الطرفاء والنجيل الرابي، والعليق والعاقول، كل ذلك يشكل سدًَّا من الخضرة البائسة الوحشية، فتدبّ السلاحف النهرية، والطيور، وأفاعي الماء دون أن تُرى، عالم غريب، بكر وغامض، بعد تلك البراري المكشوفة.

ـ النهر غدَّار.

نبَّه الدليل البدوي، الذي أجرَّه الباشا، وهو على ناقته، يبحث عن شيء خاص، ثم تابع بعد قليل:

ـ حذار من الأسود والضواري، فهي تملأ الدغل.

وتجمع الموكب كتلة واحدة حول الدليل البدوي، فسأل الخادم العجوز:

ـ من أين نعبر؟! وكيف سيكون حال حيواناتنا؟!

ـ لا عليك، هناك مخاضة قليلة العمق نعبر منها حين نعود إلى الجزيرة في الشتاء، وسأدلكم عليها.

ـ متأكد من وجودها؟

ـ

لم يردّ البدوي على السؤال، بل استدار بناقته، وأشار لهم:

ـ اتبعوني.

فتبعه الموكب دون اعتراض.

وقادهم الدليل البدوي إلى المخاضة، فعبروا من هناك إلى الضفّة الأخرى من غير صعوبة تذكر، ولكنهم عانوا من الإبل، فهي تخاف الماء، ويعروها الذعر حين تدنو منه، ذعر غامض، وغير مبرر، فيضطرون إلى ضربها، ودفعها إلى الأمام. ولم يكُ الشيخ المجذوب خائفًا على شيء، قدر خوفه على زوج الماعز الشامي.

ـ لقد هوّن علينا الدليل البدوي الأمر، لولاه لكانت خسائرنا أكبر.

قال قره يوسف لإسماعيل الخازن. وهما يدفعان أمامهما الحيوانات والأحمال على ظهورها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت