وعند بوابة البلدة الغافية على حجر وخراب، توقفوا، فترجل الباشا عن جواده المطهّم، ولم يكن في استقباله طبول تدق، أو أبواق تنفخ، ولا خلق يصطفون مبهورين بموكب الوالي الجديد، كل ما هنالك صمت، وسور أثري باذخ من الطابوق الأحمر والتراب، وحامت حوله طيور الشقراق، ترثي أجنحتها المكسورة، وهي تتجه إلى الفرات، مخلفة شوك البلاَّن والحمّيض خلفها.
ـ لقد انتهت مهمتك أيها البدوي.
خاطب الباشا الدليل الواقف إلى جانبه، ثم ألقى إليه بكيس النقود.. وتابع:
ـ وهذا أجرك.. إنك تستحقه.
واستدار الرجل بهدوء... ثم أطلق لراحلته العنان باتجاه مضاربه في بادية الشام. وهو مسرور بالصفقة والمال.
تقدم الباشا ومن خلفه حاشيته.
وقد راعه المصير الغامض الذي ينتظره في هذا الجحيم الحجري، كما راعه الحال الذي آل إليه، وقبل به على مضض ليس من طبعه، ولا جبل عليه، وكأنه منوم تنويمًا مغناطيسيًا.
وفي فضاء البوابة الهائلة، وعلى مبعدة قليلة من المدخل، انتصب برج مستدير، تهدَّم معظمه، لكنه ما زال قائمًا بانتظار الحرس القادم، والقوافل العائدة من المدن البعيدة، محمَّلة بالحرير والتوابل.
ـ يا حيّ... أنت الحيّ.
صاح الشيخ المجذوب، وهو يتقدم بجرأة رافعًا يديه في الفراغ، يردّد تعازيمه. ورقاه، ليطرد كل شر، ومن خلفه زوج الماعز الشامي، فانتبه الحمام في الطوق، وجراء الذؤبان السائبة، وضبحت بناء آوى.
ـ يا لطيف... أنت اللطيف... فلطفك.
نده الشيخ بصوت حار، وعبر الموكب الحاشد، حيث السور الأثري يحضن خرائب المدينة، ولا شيء سوى الخرائب والدمن والشجيرات الرعوية، فاكتشف الباشا لأول مرة في حياته سطوة الهباء، وهيمنة اليباب، وروح المكان الوحشي، هنا لا قيمة لأحد، ولا مكان للفرح أو العزاء، حجر وتراب، كائنات سائبة في المغاور والبيوت الخالية، وقد عرّش الهالوك والكعوب على فراش الأرض.
ـ أيعقل ذلك؟!
وبحركة لا شعورية دسَّ الباشا أصابعه في فرو"القرصق"الذي يرتديه، فغرقت في النعومة الوثيرة، فاسترد الأمان لولا عودة طيور الشقراق، تطلق صيحاتها النائحة، فاندفع الشيخ المجذوب، يرتل أناشيده الصوفية، بصوت أجش ومؤثر، وكأنه يسير في جنازة الشيطان.
كعادته لم ينم الباشا.