كان متوفزًا، ما راود النعاس معاقد أجفانه، فقد حاصرته الصور والأشباح، والدماء التي سفكها، والرؤوس التي جزَّها، إنه مهدّد بعدو سري، لم يألفه من قبل، سلاحه الصمت، ومملكته الخراب، فتذكر حواري القاهرة وشوارع دمشق، وقصور الأستانة، وآخر زيارة لمس فيها يد مولانا السلطان بشفتيه، كانت بضَّة وطرية كبطن عذراء مدللة، تفوح منها رائحة العطر والدم والذهب، فالتاث وتعثر في خطواته، وهو ينسحب في أروقة القصر وردهاته، والدليل يقوده إلى جناحه الخاص في دار الضيافة العامرة، وهو يتوقع خنجرًا ينتظره في أي منعطف، فسلاحه ليس معه، وأعداؤه كثر في كل مكان، أعداء خطرون، ومرهوبو الجانب.
وفي تلك الليلة سهر الباشا، رأى البوسفور والسفن وأضواء القصور، ولم يصدق قدوم الفجر، فلبس ثيابه على عجل، ثم انسل خارجًا، وحين استردّ سلاحه، عاد إلى فؤاده الأمن والقوّة.
وهنا لن يذكره أحد.
بل يكونون قد نسوه الآن، فمن أرسله إلى هنا، كان يريد الخلاص منه، وتدميره بطريقة شيطانية، لقد تم دفنه حيًا في إيالة الخراب هذه، وسط موكب من بنات آوى، تشيعه، وتطلق عواءها في أثره.
لقد سلبه عدوه الغامض نعيم الولايات العامرة، وأحلامه، وتركه هنا، حيث يتساوى مع أحقر خادم في الحاشية، ولا فرق بين الذهب والتراب، بين الحرير والشوك، بين الموت والحياة، بين العقل والجنون.
وفي الصباح خرج الباشا من الصيوان.
كانت آثار السهر والأرق بادية على وجهه بوضوح، فواجه السور الباذخ وأكوام الحجارة والتراب، وخيام الحاشية المتناثرة، والأرض الغليظة، والصمت الثقيل الجاثم على المكان.
تقدم الخادم بالطست والإبريق، فانحنى الباشا، يغسل يديه ووجهه، فانتعش قليلًا، فهو ما زال حيًا، وقادرًا على الاستمرار، وهذا يكفيه الآن.
ـ أية أوامر.. يا مولاي؟
ـ القهوة جاهزة؟
ـ نعم.. يا مولاي.
ـ حسن..
ـ أين يجب أن يشربها مولاي؟!
ـ في الداخل.
كان الباشا يكره أن يظهر أمام حاشيته بمظهر الإنسان العادي، أو الضعيف، أو المهزوم، فسمعته الأسطورية، وقسوته الوحشية يجب أن يحافظ عليهما أينما حلَّ، فهما درعه الحصين الآن.
ـ قهوتك يا مولاي.
قال الخادم، وهو يقدم القهوة للباشا، فتناول الفنجان الذهبي بأصابعه الغليظة من الصينية، وبعد الرشفة الأولى، رفع عينيه اللتين لم تفارقهما تلك النظرة الذئبية الماكرة، والمتعطشة أبدًا إلى سفك الدماء.
ـ هل يرغب مولاي في تناول الإفطار؟
ـ لست جائعًا... أمامنا عمل كثير.