ـ كما يريد مولاي.
وأمر الباشا بعد الفنجان الأول:
ـ النرجيلة.
ـ أمر مولاي.
ـ ثم ادعُ لي إسماعيل والشيخ وقره يوسف.
ـ أمر مولاي.
وبعد إعداد النرجيلة، كان الباشا قد لبس ثيابه الرسميّة، وجلس على الكرسي بانتظار قدوم رجاله لعقد الاجتماع المرتقب.
يجلس الباشا في صدر المكان.
مهيبًا بثيابه الرسمية ونياشينه، وخنجره اليمني المعقوف، ولحيته الحمراء، يدخن بنهم ولذّة، ويستعرض وجوه رجاله، وحركاتهم، وهم يحتسون القهوة، ويصغون بانتباه إلى تعليماته.
ـ الرجال بلا عمل كالسمك بلا ماء، سرعان ما يفسدون، ويتعفنون، فيجب أن نجد لهم عملًا... أليس كذلك يا قره يوسف؟
وجه خطابه إلى قره يوسف.. فردَّ بإذعان:
ـ ما يراه مولاي هو عين الصواب.
ـ استطلاع المكان ضروري... جد لرجالك مكانًا مناسبًا للمخفر، ولا تنس أن تضع عند النهر جماعة للمراقبة.
ـ أمر مولاي...
ـ وأنت يا إسماعيل... لست بحاجة لمن يشرح لك مهمتك.
ـ سيكون مولاي راضيًا.
ـ حسن...
قالها بصوت هامس... ثم توجه بخطابه إلى الشيخ المجذوب:
ـ وماذا لدى شيخنا؟!
ـ كل ما يسر مولانا... ويبعد عنه الكدر وضيق الصدر.
ـ إذن ليبدأ كل منكم عمله.
ـ أمر مولاي...
وخرج الرجال من الصيوان متجهين إلى المعسكر بهمة وروح عاليتين، وكان أفراد الحاشية بانتظار الأوامر.
أسابيع مرَّت هكذا مثل سحابة غائمة.
تعطي للأشكال ظلالًا غامضة، وللأرواح فرصة للنزهة في الخراب اللائق بها، والباشا محاصر في الصيوان، يدخن، ويرسم خططه، ويبالغ في التدقيق، حتى لا تفوته فائتة، أو يسهو عن صغيرة من الصغائر.
ـ مولاي... المخفر جاهز... والمفرزة على النهر بدأت عملها. فهل من أوامر جديدة.
أعلن قره يوسف... فهزَّ الباشا رأسه وتمتم:
ـ حسن.. كثّف المراقبة.
ـ كما يحبُّ مولاي.
وانسحب بهدوء، وقد لاحت على شفتي الباشا شبح ابتسامة، سرعان ما انطفأت حين دخل إسماعيل الخازن, ليقدم تقريره.
المخفر... سرت اللفظة في الآذان.