فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 1574

فأعطى مدلولها معنى الهيبة والسلطة، فالخيمة التي نصبت تحت برج هائل من التراب والفخار المشوي في نهاية السور الغربية، أرادها الباشا أن تكون البداية، في مسرحية العبث التي يلعبها في هذا الخراب القاسي. أمَّا المفرزة التي أوكل إليها مراقبة حركة النهر، فأمرها أهون، فقد وجد الحراس تسلية في صيد السمك والإوز وطيور الصعو والحمام البري، ورغم عيون الضواري التي تطلّ عليهم في الليل، وحركة الخنازير البرية، فقد وجدوا أنفسهم أكثر أمنًا وراحة في البعد عن الباشا السفاح والخراب الصامت صمت الموت.

ـ أتطول الحال؟

سأل حرسي شاب زميله الكهل فأجاب:

ـ ربك أعلم.

ـ هذه ليست ولاية.. إنها فخ للطرائد والموت الصامت.

ـ إنها بالنسبة لي استراحة...

ـ وهذه العزلة بعيدًا عن البشر، والمدن، والأسواق... ماذا تسميها؟!

ـ العزلة إمَّا أن تصنع نبيًا أو مجنونًا لا ثالث لهما.

ـ مضى عهد الأنبياء.

ـ لكن الحكمة باقية أيها الأرعن.

ـ تمتع بالحكمة كما تشاء.

قال بنزق وهو يراقب النهر يجري أمامه باتجاه الشرق، مرحًا وعجولًا، غير عابئ بما حوله من كائنات.

ـ هؤلاء الشبان، أطوارهم غريبة، يقتلون ويغتصبون وينهبون بدم بارد، ويخاف أحدهم من النوم وحده في الخيمة.

قال الحرسي الكردي الكهل، ثم استدار عائدًا إلى الخيمة، يحلم بلحظات، يفيء فيها إلى روحه التي رهنها زمانًا للشيطان، وهو يخوض حروبه الطويلة في الولايات المكتظة بالبشر والقصور والروائح الثقيلة، والزمن النائم في الحجارة والأبواب، وقد شهد من الفظائع ما يشيب له الولدان، وأشنعها ما ارتكبها مولاه، فلقد صهر بعض خصومه في الكلس الحي، وبعضهم الآخر صلبه على الأسوار أو سلخ جلده، أو أقعده على الخازوق، أو سمَّره من أذنيه بمسامير إلى الحيطان ليموت جوعًا وعطشًا.

ـ اللهم أعنّي على هذا الزمن الرديء.

قال الرجل، وكأنه يصلي، وقد جاءت إليه هذه المرة"دربند"مدينته، فأيقظت صفحات كانت مطوية داخله، فسألها:

ـ ماذا جئت تريدين؟

ـ أريد ابني؟ ابني الذي ضاع منذ أربعين عامًا.

ـ ابنك مات... مات.

وغطى رأسه تحت الوسادة وسط نشيج حار...

مظلَّة من عطر فاغم، انفتحت مثل حبة فطر عملاقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت