فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 1574

أطلقها الخادم العجوز في الصيوان، فاندغمت بالأجواء الأخرى، معبرة عن أناقة المكان ورياشه الفاخرة التي يعنى بها على الدوام"نوبار"بعشق ومودة، فالأشياء تعني له الكثير، وبرغم غطرسة الباشا المتعالية، وفظاظته الفجَّة، تظل العلاقة بينه وبين ملكياته حميمة جدًا، وقد فطن نوبار إلى انصراف صاحبه عن السماع، مما يعني اهتمامه بأمور أكثر أهمية وإلحاحًا، فترك الغلام والجارية يستريحان.

ـ أحضر لك القهوة والنرجيلة إلى هنا... يا مولاي؟

سأل الخادم العجوز... فأجابه الباشا:

ـ سنشربها هذه المرة أعلى التل.

واستدار مشيرًا إلى التل القريب... وتابع:

ـ ما رأيك نوبار؟!

ـ كما يشاء مولاي.

ـ سأسبقك مع الشيخ المجذوب.

ولاحظ الخادم أنَّ الباشا يناديه باسمه الأول لأول مرَّة منذ زمن بعيد، حين جاء به من أحد مطاعم اسطنبول، ليشرف على خدمته، ويقوم بشؤونه من طعام وشراب، فهو حذر وشكاك لا يخشى عدوًا قدر خشيته من السمّ، وهو السلاح المفضل عند سادة هذا الزمن القساة، وباشاواته العتاة.

ـ ما علينا...

هزّ رأسه، وراقب الباشا، يصعد تلًا عاليًا، ومن خلفه الشيخ المجذوب، وقد فاحت رائحة البن والهال والتبغ، فعادت إلى خاطره صور من حدائق القصور التي حلَّ بها مولاه من قبل في عكا وطرابلس وبيروت وأنطاكية، حيث يفوح عبق النسرين والفلّ، والجوري والثراء العامر، وأنفاس الحسان، عالم من الورود والذهب والرخام والأضواء الغامرة في القاعات المذهبة الفسيحة.

وهاهو مولاه اليوم، يغسل يديه في العراء كأيِّ فلاح قروي فقير، ويصعد التل مثل أرنون جبلي.

ـ يا له عالمًا!!

ردَّد بصوت خافت، ثم أردف وأصابعه تعالج التبغ المعجون:

ـ إرادة الرّب... يا أم الرّب.

ولم تتوقف أصابعه عن العمل.

وقف الباشا على قمة التل لأول مرة.

كان يلهث، وخلفه الشيخ المجذوب، يجرِّر قدميه، فرأى المخيم بكامله في السهل، وهو الجزء الوحيد الحي في ذلك الخراب، وحين استدار، شاهد زرقة السماء الناهضة، وأسراب العصافير، والغيوم العابرة.

ـ سبحان الدائم مَنْ له الدوام.

رتَّل الشيخ المجذوب، ثم اقتعد الأرض، وهو ينهت كحصان عجوز، خانه الوقت والمسافات الغادرة، وكل ما حوله من فضاءات، يشي بالخوف من القادم.

وجاء نوبار بالقهوة والنرجيلة، ومن خلفه الخدم بالبساط والوسائد، فألقى الباشا بثقله، يستقبل فنجانه الأول، وقرقرة الماء، بينما انصرف الشيخ إلى سبحته، يبثها أشواق أصابعه، وقد ربطت القهوة بين الاثنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت