ـ مولاي...
هتف الشيخ بجراءة لم يعهدها من قبل.
ـ نعم.
ردّ الباشا بآلية... وسط دخان كثيف، وكأنه يخاطب خيالًا.
ـ من أحبه الله ابتلاه.
ـ حسن.
ـ لا بدَّ من إشارة يا مولاي.
ـ لا بدَّ.
ـ يقول القائل.
ـ وماذا يقول؟
ـ يقول: إذا درّت نياقك فاحتلبها
فلست تدري لمن يكون الفصيل؟!
ـ يكون لي، والنياق لي والزمان لي.
ومضى الباشا يدخن، ويحسو قهوته، ويزين الأمور بميزان من الذهب.
وقف الشيخ المجذوب.
ثم نظر إلى الجانب الآخر، فرأى كما يرى النائم قصرًا، يشمخ وكأنه قلعة صغيرة من الطابوق الأحمر والجصّ، فصاح:
ـ مولاي...
ـ ما بك يا شيخ؟!
ـ هل ترى ما أرى؟!
ـ وماذا ترى؟!
ـ ليقف مولاي.
ووقف الباشا، وحين نظر إلى الجهة التي أشار إليها الشيخ صعق، ثم انحدرا مسرعين وكأن الشيطان يقودهما إلى فخ من أفخاخه، وأمام البناء توقف الرجلان ذاهلين، وأمامهما حديقة القصر، يعرِّش فيها العشب والهالوك والشوك، أمّا البناء فقد ظل صامدًا في وجه العوادي.
ـ مولاي... هانت الصعاب.
ـ أرجو ذلك.
ـ سيكون قصرًا وسرايا.
ـ سيكون.
وطاف الرجلان في الردهات، والأروقة والغرف، والقاعات الوسيعة، وحتى بئر الماء وجداه، لكن الإيوان الباذخ، وأمامه بركة مثمَّنة من المرمر غطاها الغبار، كانا أشد ما بعث السرور في نفس الباشا.
ـ هنا ستكون مسراتك.
قال الباشا وقد سحرته النوافذ والأبواب والعقود الحجرية.. ثم تابع:
ـ لا أظنه حلمًا.
ـ إنه حقيقي يا مولاي.
وبدأ الباشا، يتلمس الحجارة، والأعشاب، وينثر التراب، والشيخ يقف أمام سطوة البناء الهائل.
واستدار الرجلان عائدين إلى أعلى التلِّ، وقد حان وقت الغداء، حيث كان الخادم ينتظر، وهو لا يفارق المائدة، قبل جلوس الباشا.
ـ ماذا أعددت لنا اليوم يا نوبار؟.
ـ كل ما يشتهي مولاي.
ـ لقد بدأنا نفقد لذَّة الطعام، لكن أيام السرور قادمة.
ـ ليجعل الله كل أيام مولاي سرورًا.
وجلس الباشا، يتصدر مائدة الطعام التي يعرف خادمه كيف يحولها إلى مأدبة عامرة، لا تقاوم.
نياشين الهباء
-إعلان أم إسرار؟