فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 1574

دمدم الشيخ المجذوب، وهو يأوي إلى خيمته، متصيّدًا فراشات الليل، تأوي إلى قنديله الضاوي والغاوي، في ساحة الجامع العتيق الواسعة، الجامع الذي لم يبق منه سوى مئذنة حجرية، وقناطر شامخة وأسوار مهدمة متهالكة، وجذب إليه عنزته الأثيرة، تلمس ضرَّتها، فأشرق وجهه العريض، ودارت تحت أضراسه لقمة الحلوى، التي أطعمها له درويش عابر في أحد أزقَّة حلب القديمة، مردّدًا:

-مماليك أم ملوك؟؟!

فقلب كيانه، وأسلمه إلى الحيرة ووسواس الأسئلة المؤجلة، فأصابه الدوار وحمى البحث عن الحقيقة.

-حلوى أم بلوى؟!

أعلن وهو يشهر أشواكه مثل قنفذ محاصر بين أفعى وبيوض قطاة فرّت، فذكر حلب، وأسواق حلب، ونسوان حلب، والسماع في حلب، مدينة اللذة والجنون والطرب، لقد جاءها مفردًا، وقاتلًا، فأغرته، أعطته فرصة للخفاء والتحوّل، لزم المساجد في البداية، فرجمته الكوابيس بحجارة الأرق، لم يكن ينام، فالدم كان يطارده إن نام، ويحاصره إن كان يقظًا، فانتقل إلى الزوايا والتكايا، فلم يتحصَّل على أكثر من الطعام والخدمة، فترك كل ذلك، عمل في السقاية، يحمل قربة من الجلد على ظهره، فكاد أن يقتله العطش، حينها رابط عند نهر قويق، يصطاد السمك منه ليقتات، وهناك ظهر له الدرويش مرة أخرى.

-الطريق مسدود إلى أهل الطريقة.

قال لها، فذعر، ثم تمالك جأشه وسأل:

-إلى أين إذن يا مولاي؟!

-إلى البداية.. والبداية من درجة العيَّارين.

-لا أفهم..

-تبدأ من القاع، وأنت العارف المجرّب لمسالكه.

-ماذا تعني؟!

-الحقيقة لا تحتمل الحمقى..

-مولاي..

-يداك ملطختان وفمك آثم، فلا تكثر من السؤال.

-رحماك.. دلني على الطريق، فلقد أحرقت هذه الحلوى جوفي.

-بدأت جناياتك في الحان.. أتذكر ليلة الحان؟!

-وهل تنسى؟! قتلت صاحب الحان وزنيت بامرأته وابنته، وسرقت ماله وخمرته، ثم أحرقت ما تبقى، ورحلت، وها أنا ضائع، ضال.

-إذن.. تعود إليه. ولا تأخذ معك منه سوى السماع.

-ولمَ السماع يا مولاي؟!

-هو الفراشة التي تأخذك إلى العرش رقصًا.

-الآن.. فهمت.

وتوقف الحوار لحظة، كان الدرويش فيها، يراقب جريان النهر، وحركة الطير، ثم قال:

-لكل رجل صالح حيوانه المفضّل، ولك الماعز الشامي.

-سيكون.

-بدأت السعي، فامضِ، فكل مياه الدنيا لن تطهرك.

واختفى الدرويش، فلبس ثيابه، ثم توجَّه إلى أقرب حانٍ، فالتقاه صاحبه بالترحاب، فرأى اللصوص والسكارى والآثمين- كما أوصاه شيخه- بعين العاشق لا بعين الخاطئ.. فصاح بعد الكأس الثالثة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت