فهرس الكتاب
-يا شادي الألحان هات واسمعنا..
فاندفع صوت شاب يردد اللحن بعذوبة فائقة، فيتحول الحان إلى سفينة سكرى، تضرب أشرعتها في بحر مجنون، والزبائن يردون وراءه، وقد تفجَّر الفرح من قلوبهم، كالماء من الصخر.
وبعد الكأس الرابعة صاح:
-أيها الساقي إليك المشتكى..
فأسرع الساقي يملأ الكؤوس من جديد، حتى أترعت، وسال فيض منها على الطاولات الخشبية العتيقة، وغامت الأضواء.
وبعد الكأس السابعة صاح وهو يتمايل نشوان:
-صلُّوا عليَّ.. يا سكارى.
وقام السكارى، يرقصون حوله، وهم يحملون كؤوسهم المترعة، يرشفون منها جرعات كبيرة، فقال صاحب الحان العجوز، والمنظر يتوالى أمامه:
-وراء صاحبنا خبر.
وآخر الليل قاد سهف إلى خان اليهودي، وهناك تركه، ورحل، و الخان مدرسة لتعليم القيان والجواري الرقص والضرب على الآلات والغناء، وقد تلقاه خادم شاب، رحب به وكأنه يعرفه منذ زمن طويل:
-كنَّا بانتظارك يا مولانا..
-ومن أنتم؟!
-نحن.. نحن.. لا يهمّ.
وتحوَّل سهف أذنًا تسمع وترى، عاشر الأصوات المدندنة، والخصور المرتعشة، والقامات الهيفاء، فردد مع الجوقة، وصفق للطرب، يدخل أعصابه ودمه كالبرد، وكان يشاهد في القاعات الفسيحة أرواحًا، تتجول، ومشاعل تفضح ليل الردهات، وهمسات تومئ، ولا تفصح.
-خاطئ أم تائب؟!
سأله صاحب الخان حذرًا.. فأجابه:
-مبتلى بالعشق.
-ودواء العشق؟!
-يبدأ بالناي.. فالناي قصب سرق من أمه، كما سرق العاشق من محبوبته.
-هذا كلام جديد.
-وقديم نسيه الناس فذكرناهم به.
-أنت ضيف.. والضيف مدلل.
ومضى الرجل في الممر بخفَّة، وبقي سهف وظل ابتسامة غامضة، ترتسم على شفتيه الغليظتين، ثم تابع طريقه إلى مأواه.
ولذَّ له المقام في الخان، لولا أن التقى الباشا هناك، عاينه قبل أن يقترب منه، وقد شعر باختلافه عن الناس، كل الناس: البنيان المتين، والجبهة العالية، واللحية الحمراء، والعينان الحادتان، كل ذلك نمَّ عن رجل، ولد ليكون أسطورة، فتقدم منه، يرحب به، ثم اختار له غلامه إياز وجاريته جلنار، وهو الرجل الذي يعرف كل أسرار الخان.
-سترحل معي.
قال له الباشا بلهجة حاسمة وآمرة.. فأجابه:
-وإذا لم أذهب؟!
-ستذهب.. لأنك لن تجد سيدًا مثلي.
ودخل في خدمة الباشا، مودعًا الخان وسكانه، فضمّه إلى حاشيته، يستمع إلى حكاياته ونصائحه التي لا يؤمن بها، وأناشيده الروحية التي ترمّم ما خسره في حروبه الطويلة من طاقات.
حضن الشيخ المجذوب أنثى الماعز الشامي.