فهرس الكتاب
كان ثمَّة ثلاث نقاط سوداء تتحرك على صفحة النهر، تتجه إلى الشرق، بدت لناظريه، فاستعد عناصر المفرزة، وهم يركزون أنظارهم، وقلوبهم تخفق بلذة وتشوّف، والصمت يتكسر تحت أقدامهم كغطاء رقيق من الجليد، ليترك للزمن المتوقف أن يجري، يتدفق، وللحياة أن تتحرك بعد كل ذلك الركود، وحين أصبحت النقاط واضحة.
-يبدو أنها سفن للنقل.
صاح أحد الحرس.. ثم عقَّب:
-بالتأكيد جاءت من البيرة في طريقها إلى عانة.
-وكيف عرفت؟
سأل شيركو الشاب.. فأجاب:
-لقد عملت مع هؤلاء السفانة في صباي.
-وماذا تحمل عادة؟؟
-الزبيب والتين الجاف والمشمش والبرغل والزيت والبسطيق والصابون.
-تجارة!!
-نعم.. تبيع بضائعها للقرى الواقعة على الشاطئ، وحين تصل عانة، يفك السفَّانة هناك أخشاب سفنهم، ويبيعونها إلى تجار الخشب والنجارين، ثم يعودون عن طريق البرّ، على البغال والحمير.
-حسن.. استعدوا لاستقبالهم يا شباب.
وطفقت السفن تقترب من الموقع، والعناصر ما زالوا في مكانهم بانتظار وصول العابرين، وقد سأل أحد الحرس زميله الواقف إلى جانبه:
-أيمكن أن يكون معهم نساء؟
-ولماذا النساء؟!
لا لشيء.. المهم أن نرى وجهًا حسنًا.
-أيعقل هذا يا رجل؟
-في أرض الصمت هذه كل شيء معقول، فنحن مجرّد أشباح.
-وهذه هي المأساة.
وفي تلك اللحظة أشار شيركو إلى السفن، فدنت من الواقفين بانتظارها على وجل وشوق لرؤية وجوه أناس غرباء، بعد عزلة طويلة، والخوف يمدّ جسوره كالهالوك بين الاثنين.
وحين توقفت السفن، نزل من كل سفينة رجل تبدو عليه سيماء السيادة والوجاهة، حتى توقف الرجال الثلاثة أمام شيركو، فسلموا بأدب ودماثة، فتلقاهم الرجل بالترحاب.
-من أين الرجال؟
-تجار من البيرة في طريقنا إلى عانة. سيدي.
أجاب أحدهم.. فتابع شيركو:
-يجب أن يراكم مولاي الوالي.
-الوالي؟!
ردَّد الرجال الثلاثة باستغراب.. ثم أردف أحدهم:
-ولكن المكان خراب منذ أجيال.
-اليوم اختلف الوضع، فالمرور من هنا بأمر.
-كما تشاء سيِّدي.
باستسلام قالوا، وهم يستعدون للقاء الوالي الذي لا يعرفون من أين جاء؟ وكيف أصبح واليًا؟
تناوق رئيس المخفر بإمعان.
فبدا له البرج جثة هائلة من التراب والحجر، يتهالك على أضلع مهدَّمة، فتتهاقهر مزمن، فاستنامت له، وكأنها آخر ذكريات الممالك البائدة، التي قامت على هذه الأرض في أزمان غابرة.
-هل يأمر سيدي بشيء؟
سأل الحاجب الموكل بخدمته، فأوعز:
-لا بدَّ من السؤال أيها البغل؟!
-هكذا خلقني الله.