فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 1574

-القهوة والنرجيلة.

-يأمر سيدي.

وأسرع الحاجب لتنفيذ أوامر سيده الصباحية، بينما اندس السائس بعده، يستأذن في ممارسة عمله:

-هل يأذن سيدي؟!

-بمَ؟

-البغال عطشى وجائعة.

-هذا شأنك.

-سآخذها إلى المرعى.

-خذها، ولكن احذر أن تفقد إحداها.. يا أبله، وإلاَّ فقدت رأسك.

وانسل السائس كأفعى التبن، خفيفًا، ورشيقًا، وعاشقًا لعمله دون أن يصدر صوتًا:

-إلى جهنم.

قذف رئيس المخفر الشتيمة كالبصقة، فالقهوة قادمة والنرجيلة، وذكريات"يلدز"صاحبته ذات الوجه القمري، والجسد المفاض، يلدز الليالي الآثمة والأقمار المشعَّة، وزقاق الورد الفوَّاح، بماء العطر والموت والشهوة وعرق الأفخاذ الناعمة، وجبل الجبن الحارّ.

-لا بدَّ من مخفر حجري، وحظائر، فالقماش لا يصنع مقرًا ثابتًا.

جزم الرجل، والأكوام الحجرية من الفخار المشوي، تسترخي عند قدميه، فأناب إلى الفكرة، فقصر الباشا بدئ العمل في إصلاحه وترميمه، فلا بأس أن يكون له مكان ثابت من الطين والحجر.

وجاءت النرجيلة والقهوة، فاستعد لاستقبال آخر لذًّاته الكبرى بعد الحرب والنساء والذهب.

-سيدي.. الرجال يطلبون مقابلة الباشا.

وتأمل رئيس المخفر الرجال الثلاثة الواقفين أمامه، وهو لا يكاد يصدق، ما يجري أمامه، فنهض واقفًا، فتابع الحرسي كلامه:

-تجار عابرون في سفنهم.

-تجار..؟! ويريدون مقابلة الباشا؟!

-نعم سيدي.

-تعالوا معي.

وسار الرجل أمامهم مزهوًا، تاركًا المخفر وراءه لمعاونه، وكأنه يحمل لسيده الوالي أثمن هدية، يمكن أن ينتظرها في إيالة الخراب.

ولم تكن دهشة الباشا أقل من عناصره، فلقد استقبلهم بسرور بالغ، عبر عنه بابتسامة غامضة، ثم بدأ حديث طويل بينهم.

جاءت البضائع من البيرة.

بضائع أوصى عليها الباشا أصحاب السفن، وجاء معها الصناع المهرة، الذين طلبهم، من نقاشين وبنَّائين وأصحاب الكار، وقد أشرف الباشا نفسه على إصلاح القصر وتنظيفه، وترميم ما تخرب منه، فغسلت الأرض بالماء، ودهنت الجدران، وأعاد النقَّاشون للرسوم والخطوط واللوحات ألوانها وزهوها، وحياتها، فشعّت، وبرقت فأبهجت الناظرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت