فهرس الكتاب
كما أعيد للحديقة رونقها، وترتيبها بعد إهمال طويل، وأصلح النجَّارون الأبواب والنوافذ ورمَّم العمال الأسوار بالفخار والطابوق، ثم مُدَّت الفرش الثمينة من البسط العربية، والطنافس الوثيرة، وتوهجت ألوان السجاد الفارسي تحت أضواء الثريات، فتحول المكان والملحق الذي خصصه الباشا لحاشيته إلى لؤلؤة صافية وسط الخراب، ثم استكمل العمال بناء المخفر وحظائر البغال والبئر.
-المُلك.. قصر وسراي.
ردَّد الباشا، وهو يدخن، ويشرب، ويستمع إلى المغني والجارية في أول احتفال له، والماء يتدفق في البركة المثمنة، فتجري الحياة في عروقه، خاصة بعد جلسات التدليك في الحمَّام الذي افتقده كثيرًا.
وساعة أوى إلى مخدعه، هاجمته الذكريات، بعد أن هجر كل ذكرى منذ زمن بعيد، ربما لاشتغاله بحروبه، وربَّما لأسباب أخرى، لا يريد أن يواجهها، أو يفكر فيها يومًا من الأيام.
ورأى الباشا نفسه شابًا، يفور بالقوة، ذا بنية صلبة صلابة شجر السنديان هناك، في قريته البعيدة، بشعر أحمر، وعينين فاسقتين بلون الزيتون، يندفع كالفهد الصياد على أرض ذلك الوطن النائي، بين كروم العنب وشجر الزيتون، يصطاد الطيور والسمك، ويكمن للصبايا على ضفاف النهر، ليرى أجسادهن البيضاء، تغرق في الماء الفياض، ولأنه عاشق مدمن للكروم، كان ينام تحت الدوالي، يتلمس الأعناب المتدلية في النور القمري، فتتحول إلى بيدر من النساء، يغرق فيه عاريًا، ليستمع إلى حنينه المسكر، فوحه النشوان، قالت أمه:
-هذا الولد مجنون.
وقال أخوه الأكبر:
-دعيه.. فللشباب حصته.
وقالت زوجة أخيه الأصغر، وكانت صبية جميلة:
-الأرض ستمتص كل هذه القوة.
وفي صباح من صباحات الموسم، لم يتحرك من فراشه، دهمته الحمى فجأة، فتخلف في المنزل، وفي اليوم التالي اشتدت عليه. فخاف على حياته أفراد العائلة، فاضطروا إلى ترك زوج الأخ الصبيّة للعناية به، فهي من عائلة عرف عنها الاشتغال بطب الأعشاب ومعرفة فوائدها.
-اشرب.
قالت آمرة، وهي تسقيه منقوع أعشاب خاصة، وكان غائبًا عن الوعي، فبدأ يشعر بتواصل ضعيف مع العالم، ويدها البيضاء، تمررها على جبهته العالية، وصدره، المشعر، وتتلمس بطنه، ولم يكتشف ما جرى إلا بعد أن استعاد وعيه كاملًا، وعافيته، فلم يحتمل العذاب، فقتلها ورحل.