فهرس الكتاب
نام في البساتين الموحشة، والخانات القذرة، وتحت جدران الخرابات، وقذفته القرى والمدن من مكان إلى آخر، فعاشر اللصوص في الموانئ، وقطاع الطرق في الصحراء، حتى وجد طريقه، فاختار مهنة الموت.
-ستكون رجلًا عظيمًا يومًا ما، أيها الشاب.
تنبأ له بذلك قاتل مأجور، علمه أسرار المهنة، ودربه على استعمال الخنجر، والبلطة. ونصحه قائلًا:
-لا تأمن لغير خنجرك.
ثم دار حوله.. وتابع:
-إياك والنساء.
ومن أزقة حلب وحاراتها وأسواقها إلى مدن الشام واسطنبول والقاهرة وبغداد التي وقع في هواها، فأرادها له ملكًا، وحين أصبح قاب قوسين أو أدنى، خانه الوقت، وانحاز إلى أعدائه.
-مولاي.
جاءه صوت نوبار العجوز، فانتبه من شروده.
-ماذا وراءك؟
سأل وهو يعتدل في جلسته، وقد بدا المكان أمامه جنّة وحشية في هذا الخراب، فلقد آخى بين الترف والصمت، بين الجمال والقبح، وبين العزلة والضجيج حتى لا يهزم، فالهزيمة لديه تعني الموت.
قال الخادم وهو ينحني على أذنه:
-البطالة تفسد الرجال.
-فهمت.
-والرجال بلا نساء مشكلة، ديكة تتناقر وتتقاتل بجنون.
-ماذا نفعل برأيك؟
-الحيوانات كثيرة في المنطقة، فلنبدأ رحلات الصيد.
-فكرة رائعة.. أيها العجوز.
وبدأت رحلات الصيد، والمطارات في الأدغال، فعادت إلى عسكره حيويتهم وروحهم المحاربة، وامتلأ القصر، وساحات المعسكر بحفلات الشواء والشراب، وكدَّس الباشا جلود الغزلان والأسود البابلية، وعلّق الرؤوس المحنطة على الجدران، إلى جانب التحف والأسلحة، فعادت إليه روحه القديمة.
-لابدَّ من نساء.
هجس الباشا، وهو يوجه أولى حملات عسكره، للاستطلاع واكتشاف قرى ومضارب سكان إيالته من شوايا وبدو، فتوالت الأخبار بوجود بشر وأُناس، اطمأنوا لوجود العسكر، الذين قاموا بمنع التعديات، ومطاردة اللصوص وقطاع الطرق، وتأمين الانتقال من مكان إلى آخر، وبدأت خزينة الباشا، تستقبل أموالًا جديدة بعد انقطاع طويل.
-هانت الأمور.
قال إسماعيل الخازن، وهو يستلم الأموال الجديدة، وقال نوبار:
-هذه الأجساد الشابَّة، لن تروضها سوى المرأة.
وحين نزل جماعة كبيرة من الغجر، عمَّت الفرحة العسكر، فتأنقوا، وتعطَّروا، ومثل طواويس مزهوَّة، انطلقوا، يتجولون بين المضارب، فشاع الرقص والغناء والسهر الليلي، والمتع المحرمة، وملأت سماء المكان الضحكات الماجنة، تكسر الصمت الجاثم على الصدور كالكابوس.
الموتى لا يعضُّون
يمر البدو العابرون في المواسم.