فهرس الكتاب
-يابنتي الزواج يدفع عنك غدر الحياة وشرها، والحياة بقدر ما تعطي تأخذ.
ضغطت على ابنتها ومارست سلطتها كأم من أجل الموافقة، لكنها لم تفلح. عيناها قلقتان متمردتان، أمضى ليله ساهرًا على وهج عينيها ومتلذذًا برحيق شفتيها. أحس بأنه يحلم وعليه أن يقول رأيه بصراحة، أن لا يخدعها. شعر بسحابة تغطيه، أبعد شعرها، جسدها البكر يفور كالأرض البور التي تزرع لأول مرة. ظل أسبوعًا لا يذوق طعم الأكل حتى بان عليه الضعف. عيناها لا تفارقانه، نظراتها قاتلة .
ماذا لو عرفت أنه تعلق بغيرها، وأنه مرتبط بعبلة، ذات السحنة الحنطية والجسد المكتنز، والتي أثارت اهتمامه، وأقظت الينبوع من رقدته. تلوى جسدها كالطريق التي تتسلقه السيارات الآتية إلى القدس من الجنوب والشمال والشرق، بعضها مسافر إلى بيت جالا وبيت لحم والخليل ومنها ينعطف شرقًا إلى أريحا أو شمالًا إلى البيرة ورام الله ونابلس. قال لها:
-أحبك ياعبلة !
تلون وجهها بالشحوب أشبه بمرعى مقفر، احمرت واصفرت وارتجف جسدها كقصيلة في مهب الريح، بان عليها الانفعال، نظراتها المجنونة تحاصره، تطالبه بأكثر من كلمة أحبك، يهرب من بريقهما، أعلن جسدها عن فوضى وارتباك وشفتاها عن حيرة، رفع رأسه، ابتسم، ارتفعت الشطآن إلى شفتيها لتزيد كمية الملح في البحر. قبل أن تتركه تاهت في بحر الزرقة، حدق، نادها، النسائم ترتل أنا شيدها والنهار يهرب غربًا محاولًا الإفلات من مرتفعات القدس التي تحاول تأخير انحراف الشمس. عادت وهي تلملم طرف تنورتها خوفًا من تسلل الرياح إلى جسدها الكتنز. عيناها تائهتان تنبئان بانشغال فكرها. نظر إلى الجو، عصافير طائرة على غير هدى، نهار ثقب عينيه. سمع لحنه المسافر ولهفة الغريب إلى بيته.
حدقت إلى عينيه، تاهت في بحر هائج ... رأى حيرتها، فقال:
-هيا نمضي معًا، المستقبل لنا.