فهرس الكتاب

الصفحة 1320 من 1574

لم يجب أسرع إلى صنبور الماء غب منه مرات متوالية ثم غسل وجهه ويديه، دفعه الموظف إلى الخارج وهو يردد، لا يوجد حمام هنا ، أنت قليل الذوق ألا يكفيك شرب برميل ماء، هيا وإلا أعدتك إلى بطن أمك، سحب جسده وهو يجرجر قدميه، الشمس غابت منذ قليل وهي تغوص أكثر فأكثر في الأعماق السحيقة، سار ببطء، دخل محل"الافندي"سلم عليه وطلب سندويشة فلافل ثم أتبعها بثانية. شعر أن معدته امتلأت. أنفاس تشرين الأول تغادر وما هي إلا بضع ساعات ويحمل حقيبته ويسافر. السماء ترتل صلواتها على ضوء القناديل المدلاة من قبتها وعلى أنغام رياح سابحة وسط غيوم ترتدي غلالة بيضاء. شعر بالانتعاش، نشرة الأخبار تنبئ بأن البلاد تتأثر بمرتفع جوي قادم من الجزيرة ومصر. الجوندي على عكس توقعات الراصد الجوي والنسمة الطرية تصفع الأخبار. شعر وكأنه فوق مركب يتلوى متساوقًا مع حركتي المد والجزر، تألقت عيناه بالفرح، السماء كتل بيض والرياح الخريفية تشتد وهي تنذر ببرد شديد لهذا العام. انطلق الأذان من المسجد الأقصى موسيقا عذبة. طار السنونو على ضوء المصابيح مترنحًا على غير هدى يمنة ويسرة. لكنه اختفى تمامًا قبيل الأذان، شاهد جماعة تحمل محراثًا قديمًا تقطع الشارع، أيعقل أنهم في الحقل حتى هذا اللحظة.

حزن لأسباب كثيرة منها لأنه لم يفعل شيئًا طوال الأيام الثلاثة.

دخل البيت في الساعة العاشرة ليلًا، رمى نفسه إلى الحصيرة دون أن يتناول لقمة واحدة. قبيل منتصف الليل تناول بعض حبات من الزيتون ثم انزوى وحيدًا، تناول كتاب"العروبة أولًا"فتح على الصفحة الحادية والخمسين وقرر بينه وبين نفسه أن ينهي قراءته ولو اضطر إلى السهر حتى الصباح .

كعادته وصل صباحًا في تمام الساعة التاسعة سلم الورقة وظل على هذا الحال عشرة أيام دون أن يسألوه، في اليوم الحادي عشر أخذوا أقواله وطالبوه توقيع تعهد ينص على عدم التعرض للسياسة، رفض ذلك فأبقوه في المنفردة أربعة أيام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت