فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 1574

ويلذُّ الباشا أحيانًا أن يستقبل بعض السفَّار والرحَّالة الأجانب، يقدم لهم الطعام، والمبيت، ووسط الشموع والليل والغناء، يزهو بشاراته ورتبه وطربوشه ولحيته الحمراء، ويطلب إليهم أن يتصرفوا بكل حرية، دون اعتبار للمراسيم والرسميات، بينما ينصرف إلى نرجيلته وأضواء الثريات والشموع الهادئة، يرقب الوجوه المبهورة بمتعة فائقة.

ولأنه أعلن حربه المقدسة على العزلة والصمت، أفرد جناحًا خاصًا في قصره العامر، فرشه بالسجاد الثمين والطنافس، وزينه بالمنمنمات التي نقشها أعظم الرسامين الترك، جلبهم من اسطنبول، ثم علق السيوف المذهبة، والخناجر اليمنيَّة، وجلود السباع، ورؤوس الأيائل التي اصطادها، ثم عطره بالبخور وعود الصندل في مجامر مغربية.

قالت أول إنكليزية تدخله، حافية نشوى:

-هذا الجناح تحفة شرقية، يدل على ذوق رفيع.

-هذا إطراء لا أستحقه.

-مولاي.. التواضع قمَّة الغرور.

وتناولت الطربوش الأحمر، ثم وضعته على رأسها، وهي تتابع:

-مولاي الجميل.. لك وجه قرصان تركي.

واتجهت إلى النافذة، ترقب القمر الطفل، يحبو ممعنًا في السماء الصافية، بينما كان الشيخ المجذوب في تلك اللحظة يتهجد وحيدًا مع قطيعه الشامي.

-لأول مرّة أعبر بلدًا بلا جامع أو كنيسة.. أين تصلُّون؟!

-الأرض واسعة.

وطوقها بذراعيه، فاستسلمت بسهولة، فقادها إلى فراشه.

ومثل لعنة سوداء غامضة.

بدأ الأمر، حين وجدت جيف كثيرة من البغال في مستنقعات البليخ وعين العروس وعلى شواطئ الفرات، جثث تفسخت، وغطت المنطقة، ومن الحيوان، انتقل الوباء إلى البشر، فقد رمى النهر جثة رجل من السفانة على الضفة، تخلى عنه بعد موته رفاقه، وفرّوا مذعورين، صارخين.

-الطاعون.

دوّت الصرخة في البوادي والوديان والمعسكر، فانتشر الرعب في القلوب، ثم توالت الأخبار من كل الإيالات والمدن، من حلب ودير الزور، والرها والبيرة، إنه الهواء الأسود. أطلق شياطنيه، يحصد الناس كالزرع، والموتى يتساقطون.

-مولاي.. ما العمل؟!

سأل إسماعيل الخازن الشيخ المجذوب.. فأجابه باستسلام:

-العمل عمل ربك.

-من أين جاءنا هذا البلاء؟!

-جاء.. جاء من حيث جاء.

ويوم سقط أول رجل من الحاشية، وجم جميع الحاضرين، وأخذ صمت حذر، ينسج خيوطه السرية في الصدور والرؤوس، وقد أمر الباشا بحزم:

-احرقوا الجثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت