فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 1574

وساد خوف غريب القصر والمعسكر، وكأنهم بانتظار ذلك الزائر المرعب، وتوالى سقوط البغال والرجال، الشيخ المجذوب والخادم وشيركو، ثم جاء دور الغلام والجارية، ورجال الحرس.

-أهذه هي النهاية!؟

سأل الباشا نفسه.. ثم أجاب:

-لن يهزمني شيء في الدنيا.

ولم يدب اليأس إلى روحه، فظل واثقًا من النجاة، هجر الشراب والترف، وزهد في الذهب والمال، ولمّا لم يبق سواه على قيد الحياة، لبس مرقعة رثَّة، وطوق عنقه بالحرمل، ودفع أمامه القطيع إلى البرية، لا يحمل معه غير كسرة من الخبز اليابس، وقربة من الماء، وراحة لم يعرفها من قبل.

واليوم.. يتوسط باحة الجامع العتيق قبر.

راجت حوله الأقاويل، وكثرت الشائعات عن كرامات صاحبه، بنى عليه أحد الحاجّ الأتراك قبة من اللبن والجصّ، دهنها بالأخضر، فمنهم من يقول:

-إن القبر لأحد التابعين الأبرار.

ومنهم من يقول بإصرار:

-إنه للولي الخضر الأخضر.

ومنهم من يدعي أن القبر خالٍ، ولا أحد فيه، والروايات تتضارب، وتتشعب لكنها لا تجمع على أمر.

أمَّا ما اتفق عليه المعمِّرون، وأكدته الروايات المتواترة، وملاحظات رؤساء المخفر المتعاقبين ومذكرات الرحالة والسفّار، فيقول بأن سكان البلد الحاليين، يتحدرون من سلالة الماعز الشامي.. والله أعلم.

*جملة أخيرة:

"وفي سنة /1175/هـ، ولي إيالة"الرَّقة"سعد الدين باشا العظم الذي عين واليًا لبغداد في السنة نفسها بدلًا من والي بغداد، ولكن الأستانة، لم تستطع تنفيذ أمرها بتعيين واليًا (كذا) من غير المماليك لأنّ هؤلاء، رشحوا أحد زعمائهم علي بك، فعينه السلطان في ربيع الأول من سنة /1175/هـ. على الرقة، وكان الطاعون، فتوفي مطعونًا فيها، ودفن بجامعها الكبير.."

تاريخ العيَّاش ص 18-حـ2

شتاء الرقة 2002

-النصُّ الثاني -

ظهورات السيدة الجميلة

*الظهور الأول

شقشق الفجر جرسًا من القطن الأبيض.

والحارة النائمة تتململ، تترك لسكونها أن يتصدع، لتعبرها الروائح والأصوات وخطوات العابرين، وهم ينطلقون إلى غاياتهم، وكان ثمة سرب من الحمام، يهجر أعشاشه، ويحجل فوق سطح المنزل، يلتقط حبًا من بقايا الأمس.

-يا فتّاح.. يا رزّاق.. يا عليم.

وأعقب الصوت نحنحة قوية، ترددت في الزقاق الضيق، وجرى كلب سائب مذعورًا فأن باب خشبي، انفتح قليلًا، ثم عاودت يد بيضاء، موشومة بالحناء إغلاقه من جديد خوفًا من اقتحام غير متوقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت