فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 1574

اهتزت شجرة السرو بإجلال خاشع في باحة الحوش، وكان الرجل بثوبه الواسع يجلس وحيدًا، يشرب الشاي بالزنجبيل والقرفة، ويستمع إلى صوت صدّيقة الملاية، يتردد بلذاذة،"يا صياد السمك.. صيد لي بلطية..، وهو يرقب يمامة أنثى، تهرب من ذكرها العاشق إلى عشها في أعلى الشجرة، تياهة. مدلِّة، كشأنها وهي تمارس غرائزها الموروثة، بينما لطأ الديك العشاري بعينيه الغاضبتين وعرفه الأحمر إلى الحائط، مستظلًا بعرائش المجنونة واللبلاب من شمس غير حارقة، وقد بدت الكائنات أليفة، ومطمئنة، تعوم في هلام غامض دون أن تغرق."

-نون..

هجس الرجل بصوت أجش، وكأنه يقرأ تعويذة سحرية، ثم رشف قليلًا من الشاي، وهمه الرائس ألا يفقد هذه اللحظة، فللصباح مواكبه المقدسة، وللروح حريتها في أن تغتسل كما شاءت في أنواره اللاثغة بالأناشيد والأوراد.

-القلب كالعرش، والصدر كالكرسي.. فلا تبالغ في الجنون.

وفجأة..

انبثقت المرأة من الحلم، نافورة من العطر واللون والماء. أو شبطة من طرفاء الفرات، يمر بها البدو العابرون إلى مضاربهم المتناثرة في بادية الشام، يحملون التين المجفف والزبيب، والرغائب الخامرة، تفوح من أجسادهم رائحة البختري والخضيرة، والعزلة الأبدية التي لا يدرك فضائلها سوى الزاهدين والرعيان.

دورقت كفيها الموشومتين بالشذر الأزرق، وسقت الرجل ماء الرضا في زمن فقدنا فيه الرضا، وحافية، عارية، باسمة وقفت على رؤوس أصابع قدميها، فوسوست شنوف حجلها الذهبية، ثم اشرأبت بعنقها الأملود.

قال الرجل:

-هذا العرش لكِ.

قالت المرأة:

-هذا الكرسي لكَ.

-والجنة؟

-لأهلها.

وأطلق الرجل فراشاته النهمة، تلم ما زرعت شفتاه بالأمس من بنفسج وليلك مجنون على مرمرها الوردي، فازدهى الشحوب، وفاح عطر النارنج والكباد:

قال الرجل:

-من أين جاء كل هذا الشحوب؟!

قالت المرأة:

-ليس شحوبًا ما تراه.

قال الرجل:

-إذن.. ما يكون؟

قالت المرأة:

-إنه خجل التفاح من التفاح.

ودارت المرأة حول نفسها برشاقة وعذوبة، وتوفز الديك العشاري، بينما حلق سرب الحمام في السماء الزرقاء، فعاد الباب الخشبي إلى الأنين واليد البيضاء الموشومة بالحناء تفتحه حتى النهاية، ليدخل الهواء والصوت والنهار إلى عتمة الغرفة التي طالما شهدت كوابيسها الليلية.

قال الرجل للمرأة حين كفت عن الدوران:

-يا امرأة..

قالت المرأة:

-لا تحاول تثليث دائرة الرقصة فتموت الفراشة.

قال الرجل:

-أنا عارف وبصير.

قالت المرأة:

-لا تفرط بالشذرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت