فهرس الكتاب
"سيقاتلكم العرب في كل مكان وسيقتلونكم بلا رحمة، ومن تبقى سيحمل بنادق قزمة يقاتل بها بعضكم بعضًا"
ود الخلاص من هذا الكابوس، وإلا فإنه سينتحر، ولو كان الأمر خاصًا به لما تأخر، السجناء يرونه قدوتهم، ينصتون إلى أقواله، أفعاله طريق ومدرسة تعلمهم الصبر والاستمرار في النضال، لم ينس يوم قالوا له:"والله لو طالبتنا بفعل شيء لما تأخرنا، ثققتنا بك لا حدود لها"بكى من كل قلبه، لا يعلمون لأي منحدر تنزلق الأحداث، لا يعرفون ما يخبئه الغد، إذ عندما تفلت الدفة لا أحد يستطيع إبعاد المركب عن العاصفة .
ينهض النهار شاحبًا باكيًا، يستلقي على وسادة رملية، الرؤى تتشكل وتتبعثر كذرات الرمل الدقيقة التي تفتتها وتهرسها طاحونة الهواء فتجعلها هباء ثم تذروها إلى أمكنة بعيدة. تذكر ذلك الهبوب قبل سبعة عشر عامًا يوم غطى قاسيون والغوطة فتحول كل شيء إلى أصفر باهت. هبت الريح في غير وقتها وأوانها، حملت الدقيق إلى كل بيت، غطت وصال عينيها واعتبرته فألًا سيئًا، في البداية ظنتها سحابة عابرة، الريح تحمل من النفوذ وسكاكه والجوف ما خف حمله، تطير به شمالًا وتذروه عند انعطافها غربًا. خاف على المدينة، لأول مرة يرى القبلي في الواحة العاصمة فسماها رياح الشؤم.
لبست عباءة سوداء، ونسيت أغاني الفرح، لكنها كفكفت الدقيق العالق على وجهها، وفي إحدى حماماتها جلت جسدها، فبدت المدينة عروسًا. من الزبداني ومضايا ترتحل النسائم الآتية من الباروك وبحمدون ودير القمر فتكحل عينيها وتسرح شعرها وتعطرها. فيقف التاريخ في يده الشمس وفي الأخرى يضمها ويلثم ثغرها. تلك كانت مدينة وصال التي لا يخرج منها الداخل إلا وإلى جانبه شامية. إنه أحد الشاذين عن هذه القاعدة. داس على قلبه، غنص وغادر، كان أمل العودة يراوده، ولا شيء منعه سوى المهمات. كيف خرج منها وحيدًا ودخل بيته وحيدًا وهو الآن وحيد. تذكر أغنية فريد الأطرش ذاك المطرب الذي يهرب الفرح من وجهه وشكله الباكي، أغانيه الحزينة جعلته لا يرتاح لسماعه مع أن صوته وموسيقاه فرضًا نفسيهما بقوة.