فهرس الكتاب

الصفحة 1349 من 1574

وصال فتاة جميلة في مدينة خلقها الله جميلة، أنفها قاسيون وأقدامها تسبح في الغوطة والخضرة. تمثلت الصحراء والحضارة معًا في ذاك الشارع الذي يمر جانب بيتها وبتلك النخلات السامقات، اللاتي لم يهزهن الريح ولم يشتقن إلى حضن البادية ؟! شوارعها عريضة، أحياؤها الحديثة تقف شاهدة على التطور واستمرار حياة القديم إلى جانب الحديث في عملية تصالح قل أن نجد مثيلًا لها، فالأحياء القديمة التي حباها الله من الحسن والفتنة مالم يعطه لمدينة أخرى، ظلت شاهدة على الحضارة، واقفة بشموخها قاطعة أيدي الغزاة واللصوص وأرجلهم. مساءً تقفل أبوابها السبعة وتضع إلى جانب كل باب حارسًا. أبواب لها من البهاء والروعة، ما يثير الدهشة، تطلع الشمس ترسل باكورة غزلها إلى بابها الشرقي بمداخله الثلاثة ومئذنته المرابعه، والشارع الطويل العريض الذي يربطه بباب السيدة جابية والذي يجاريه في الحسن وفي أبوابه الثلاثة التي تنطلق منها ثلاث أسواق. إلى يمين باب شرقي باب توما حيث بقايا قوس وجسر روماني. نظرت وصال إليه مرحة تصورت خالد بن الوليد وأبا عبيدة بن الجراح وآلاف الرجال الذين فتحوها ليزرعوا الربيع، وليعطوا للإبداع مكانته. الابتسامة تلف وجهها وتترك أثرها في العينين .

في الأحياء القديمة رآها جميلة وباردة على الرغم من دفء كلماتها، لف الريف والبادية دورة كاملة في رأسه المتعب، خطرت له أفكار لا يعرف كيف أتته، لقد بات يشك في حبها، تساءل بينه وبين نفسه، إن كانت ساكنة ابي رمانة تعرف العاطفة الراقية التي تجمع قلبين، العشق للقروية التي تحاور القمر والنجوم، تتقلب في فراشها، يستعصي عليها النوم، فتهب مذعورة تكلم ذاتها، تفتح صدرها للطبيعة، فتحتضن دموعها وآلامها وتهبها شيئًا من الصبر، ولا يطلع الصبح إلا وفمها قطعة جافة وعيناها قد صغرتا. لحظة شروق الشمس تواجه الأشعة وتحملها الدعاء والمحبة، ثم تعود إلى غرفتها تلم الفراش وتسوي البيت وهي تدندن بأغنية ناعمة تصل في الحال إلى روح حبيبها. هل تساهر ابنة أبي رمانة القمر الذي توسد الشارع وأخذ شكله المفلطح في مصباحه؟ كيف لها أن تعرف حلاوة الحب من مراراته وهي لم تذق في حياتها سوى الحلويات؟ هذه الهواجس جعلته يتوجس خوفًا، ابنة المدينة قادرة على التمثيل والتصنع، فهل كل ما تفعله كذلك؟

-ما بك يا عمر ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت