فهرس الكتاب

الصفحة 1367 من 1574

وصلوا إلى كنيسة الروم الأثوذكس، ومنها اتجهوا شرقًا، هبطوا درجات أوصلتهم إلى كنيسة القديسة هيلانة. تابعوا سيرهم شرقًا وصاروا قريبين من بقالية أبي عزيز الذي رد على التحية ودعاهم للاستراحة. أمام الدكان مرتفع بسيط وكرسيا قش جلسوا يرتاحون، سأل أبو عزيز:

-من هؤلاء يا عمر ... إنجليز إنتبه يا ولدي معظمهم جواسيس !

-شكرًا .

من هناك استأجروا سيارة ولفوا على باقي الأبواب، باب الساهرة، باب الأسباط، الحائط الشرقي للسور ومنه جنوبًا إلى بابي المغاربة والنبي داوود ومن هناك إلى بيته في الشيخ جراح. استقبلت أم عدنان الضيوف كعادتها. قبلت الفتاتين وجاءت بشرشف لتضعه على ساقيها، وهي تردد:

-الفتاة التي تدخل بيتنا تصير ابنتنا وتكتسب حمايتنا وهي بالتالي عرضنا، المحافظة عليها جزء من إنسانيتنا.

-الفصل التاسع عشر-

نفحة الأكثر قسوة موقعًا وحياة، إذا قورنت بغيرها من السجون، موقعها وسط النقب أعطاها القفر، لاشيء حي سوى الصراصير وبعض أنواع الفراش الصحراوي والعقارب والأفاعي. الطبيعة جهنم موقدة صيفًا، أما شتاء فالرياح تعوي وتنبح كالكلاب الشاردة دون قطرة مطر، وعندما تخرج من الأرض بعض الأشواك والزهور البرية بفعل رطوبة الشتاء وهروب بعض السحب وانتحارها، تهب الرمال لتمحو أي وجود للحياة. إن اختيار السجن هناك عقوبة لمن يكن فيه إن كان سجانًا أو سجينًا. تذكر يوم رحل وكيف استقبلهم طاقم السجن، أصابه صداع، أغمض عينيه وأسند رأسه إلى الحائط، نظر إلى رفاقه وقال:

-لن أخرج دعوني خدمة

استلقى في الغرفة، بدأ فكره يلف بدائرة قطرها خط الاستواء، أراد أن يخلد ولو لدقائق إلى ذاته. أن يطلق العنان لخياله ويستحضر عشرات الصور أمامه. عندما تصل أول صورة تتالى الباقيات، كانت أم الياس المرأة الطيبة، ذات الوجه الدقيق والقوام الهزيل، أول صورة في ألبوم رأسه، امرأة تخاف عليه، ناداها يمّا.

فردت عليه: نعم يا بني .

تهرع إلى الباب، تفتحه عند سماعها لنقرته. حتى عندما يحاول مداعبتها بتغيير طرقته، تصيخ السمع فتتأكد أنه هو ويريد أن يتلاعب بأعصابها. تضحك وهي تفتح الباب، عرفتك يا عمر‍!

سألته: لماذا يخفي رنة طرقته ؟

ابتسم ولم يجب .

-طرقتك دخلت أوردتي وصارت جزءًا من كياني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت