فهرس الكتاب

الصفحة 1368 من 1574

أحيانًا تشم زهر الليمون بعدها يُقرع الباب، أهي تهيؤات؟ أم ماذا؟ لو كانت تهيؤات لما حدثت مرات عدة، وفي كل مرة تكتشف أنه أبو عباية. غير مرة فتحت الباب لحظة وصوله، سألها: كيف عرفت؟

تجيب بفرح إنها مشيته المعروفة لديها. تنفث دخان سيجارتها فيرسم أشكالًا وخيالات، تتأملها وترى فيها أبا الياس رحمه الله والياس الذي يدرس في الخارج. فكرت أن تعمل بنصائح عدو الدخان، أن تترك السيجارة وتهجرها دفعة واحدة، لكن نفسها لم تطاوعها، تعن اللفافة على بالها، فتراها أحلى من العسل، ترى كل دنياها وحاضرها داخلها، فتشدها من العلبة إلى فمها، تشعلها واحدة من الأخرى، أشبه بدخان قطار تعب. تَعُبُ منها فتملأ صدرها بالسحب الضبابية.

تنظر إليه تبتسم ثم تعلق: إنه المرض الذي لابد منه والذي صار جزءًا مني.

السيجارة بين أصابعها مغردة موحية بصور الماضي، تتأملها وتبطئ في تدخينها، تشعر أنها امتلكت العالم. ظل التبغ نقطة خلاف بينها وبينه، لكنها لم تعد تأبه. قالت له: أعرف ما تقوله، التدخين مضر يؤدي إلى السرطان وغيره، لكنني غير قادر على تركه، اعذرني يا بني.

ظهرًا أحضرت كمية من السمك وبعض الحلويات، نظرت إليه وقالت: اليوم ستأكل الصيادية من يديّ .

-من يد لا نعدمها، لماذا كل ذلك يمّا ؟!

-اسكت يكفي غيابك عن البيت الليلة الماضية، لقد ذهب نصف عمري، أنت اليوم ممنوع من الخروج، وممنوع من الرد، ممنوع من عمل أي شيء. اذهب واستلقِ على سريرك .

-كفى أوامر لقد صرت كالرؤساء المحترمين .

-بل أكثر منهم تشددًا، أنت لو تعرف ما حل بي تعذرني، اليوم عيد والأطفال الذين مثلك عليهم طاعة أمهاتهم .

-متى أصير شابًا ؟

-ستظل طفلًا أخاف عليك من شر أولاد الحرام ومن ظلام الليل، ولن تكبر أبدًا، صدقني أراك كأنك ابن عشر سنوات.

أسرعت ونظفت السمك وتبلته ثم وضعته في"الطابون"، أشارت عليه أن يذهب ويأخذ بيده أي كتاب وينتظر حتى تناديه، وكما يفعل الولد المطيع ابتسم ثم انسحب، تناول أحد كتب ساطع الحصري و أخذ يلتهم أوراقه صفحة إثر صفحة.

وضع يده على جبينه تناول حبة أسبرين، جاءته عبلة تلتقط أنفاسها، وجهها ورق هارب من حرارة الجو إلى حضن تشرين ذي الأنفاس الرطبة، تأملته ثم أخبرته ما حصل في بيته قبل ساعتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت