فهرس الكتاب
لم يتركوه إلاجثة هامدة رموها عند الباب، حانت منه التفاتة وهم ينقلونها إلى الخارج. غطى أنفه الرائحة الكريهة غطت المكان. وجوه السجانين غريبة وكئيبة واصرار لدى الإدارة على الانتقام. سمع أحدهم يقول، بأنهم مجرمون الأولى بقيادتنا رميهم في البحر فسمك المتوسط وطبريا بحاجة إلى غذاء. لم يسمع بقية التعليقات لكنه خمن ما يقولون، وجوههم التي كساها السواد، تنبئ بما سيفعلونه، جاء من شده خارج الغرفة بعصبية وهو يردد كلمات"فعلتها أيها الوقح، أيها المخرب ستنال جزاءك، هيا إلى الإدارة"في هذه اللحظة بالذات أعلن كل من في المهجع تضامنهم معه وإضرابهم. عندها بدأت سلطات السجن تعيد حساباتها من جديد .
أينما ذهب فسلطات السجن تعيد حساباتها ألف مرة قبل أن تتصرف، خطط وهو في عسقلان لإضراب ستة وثمانين. مر في طريقه إلى"اشكلون"بعدد من القرى التي سمع بأسمائها، بينما كان البحر صديقه طوال فترة السفر، هذه من المرات القليلة التي نقلوه دون غطاء على عينيه، شيء مذهل تلك الرحلة، البحر صورة صافية يعرض عريه وأنوثته كفتاة عذارء تلقي بجسدها على الشاطئ، تحس بالدفء فيصير جسدها أكثر لدانة، تزحف محركة وسطها دافعة رأسها إلى الوراء، فإذا بها ثانية في الماء المالح، تتذكر خصوبتها وفتوتها فتسير مع المد في حركة لولبية لا تنتهي، خطر له هذا المنظر حين رأى ذاك الوجه الصافي الذي يتسع للكون ومنظر الذين ينتظرون غياب الشمس. يقولون بأن النسوة اللاتي يرمين بأجسادهن يهبن جزءًا من خصوبتهن إليه وهو يعطيهن الحضن الذي يحقق متعتهن، في أول أربعاء من نيسان ينتظرن لحظة الغروب ليسبحن أما التي تظل على الشاطئ فتبهج عينيها بذاك المنظر الجميل، لحظة يهوي القرص في الماء ولحظة ابتلاعه لجرعة منه يترافقان مع لمعان وتراقص آخر لحظة من النهار وبريق الأجساد العاجية المتماوجة.