فهرس الكتاب
البحر ذاك الجسد الذي ظنوه غافيًا يتمدد ويرفع يديه محتضنًا ما بداخله دافعًا الرمال بقدميه، فيشعر بنشوة غريبة، يفرك عينيه، يفيق ليقبل أجساد العذارى واحدة واحدة ويضع في أرحامهن شيئًا من ملوحته، فيبدو و بحركته الجنسية، أشبه بجنية عصية على الموت قادرة على التلقيح. تأخذ العتمة شيئًا من هيبته وسكونه، ترتفع إلى الأعلى فيشعر الناس بدخول الليل، لكنها ظلمة تضيئها الأجساد، في حين يتحول العالم إلى ماء وسماء. أما الشمس فكانت مستلقية على ظهرها تتقلب تارة يمينًا وتارة يسارًا، تاركة نارها الحمراء تشتعل في رمال عسقلان، الهواء يسخن الجو يحمل معه الغبار والعجاج، بينما السماء قبة نهد يستحم بحرارة حلمته.
ذكره البحر بماضيه في متوسط اللاذقية وأرواد وفي الزبداني والربوة وشوارع دمشق، ذكره لكل ذلك وغيره بينما السيارة الزنزانة تشق طريقها ببطء إلى الجنوب، تصور أنه متنزه قريب من البحر إذ قورن بنفحة خاصة بعد نجاح إضراب السبعين.
عرّوة وفتشوه قبل أن يسلموه لباس السجن، أدخلوه الغرفة رقم خمسة وأغلقوا الباب، نظر إلى السجناء لم يتذكر أنه رأى واحدًا منهم، سلم وقفوا وأحاطوا به. شبان أعمارهم في العشرينات باستثناء أبي ديب في الخمسين من عمره اتهم بإيواء ابن خاله مازن العابد، الذي جاء مبعوتًا من والده ثم تكرر مجيئه... ذات مرة صارحه بأنه سيقوم بعمليات ضد إسرائيل ويعود عبر مخاضات الأردن.
اصطدم بإحدى الدوريات وهو في طريق عودته، جرح وقبض عليه فاعترف أنه اتصل بابن عمته فأحيل إلى عسقلان .
أما أبو ديب فقد دافع عن نفسه بادعائه أنه ضيفه إضافة إلى القربى، ولا يستطيع إلا إستقباله. وعندما سألوه عن المعلومات التي نقلها إليه، أنكر ونفى أنه تجسس أو قبض أي مبلغ.... أجاب:
-الإنسان عندما يكرم ضيفه لا ينتظر مقابلًا، أنسيتم أننا مازلنا محافظين على عاداتنا على الرغم من احتلالكم!
سألوه عن الأمن ولماذا لم يبلغ عنه؟ أجاب:
-هذا اختصاصكم أنا غير موظف عندكم، أهناك عاقل يبلغ عن ضيفه ؟!
نظر إلى وجوههم فتأكد أنه لا يعرفهم وربما لا يعرفونه، فعرف نفسه""
-أنا عمر القاسم يسعدني أن أكون معكم .
وقف الجميع عند سماع اسمه واقتربوا منه، نظروا إلى وجوههم وابتسموا، ضج المهجع بالمرح وبدؤوا يقبلونه ويهللون والفرحة تغمرهم. قال أبو ديب فرحًا:
-أننا محظوظون بوجودك يا رفيق!