فهرس الكتاب

الصفحة 1394 من 1574

إن كنت تريد إطلاق سراحي دون مقدمات فأفعل دون شروط، وإن شئت إطلاق سراح غيري فافعل، وإذا لم تفعل فإنك جئت ترى مآسينا وتتشفى وتضحك! إنكم تسجنوننا، تعتقلون أجسادنا أما أفكارنا فهي تعيش حياتها حتى داخل سجونكم وهي ميدان شرفنا. حياتي وما تبقى منها أوقات مرهونة للآخرين، تريد إخراجي بعد ما سمعت لا أظنك فاعلًا؟ فأنا لا أنفعك في شيء ولست فرس رهان! عد أيها الرئيس فأنت تستطيع أن تساومني، لكن الشخص الذي أمامك غير قادر على مساومتك، أسألك هل لدّي ما أساوم عليه سوى كرامتي وشرفي ولا أظنهما قابلين لذلك ؟!

نظر إليه تراجع إلى الخلف وعاد إلى الزنزانة وهو مبتسم، بينما إسحاق نافون ظل ذاهلًا دون أن ينبس ببنت شفه.

-الفصل الثاني والعشرون

اقتربت سنة سبع وثمانين من نهايتها، في حين بدأت الغيوم تتحدث بلسانها وقلبها، وما فيهما، يخرج شررًا وطبولًا، المطر ينهمر، ترش به الحقول. الغيوم قطن ونعاج سارحة تتمازج بالأيدي ثم تتفرق.

الرياح تنفخ في قصبة مثقوبة، تعطي الحركة لغمامات تائهة. المزن تتحرك في السماء، أما على الأرض فقد منعت السلطات الإسرائيلية التجول، منعت الغيوم التي ترفع يديها إلى الأعلى من الصياح والهتاف، لا شيء يطاول السماء سوى إطلاق عيارات نارية. ممنوع على الغيوم الكشف عن قلبها والتحدث أو حتى الضحك والتشاجر، تراكضت وتحول البرق والرعد إلى لطخ دماء على الشوارع. لا شيء يعلو على مرحها وابتسامتها ولحنها الأزلي.

بضعة أطفال فقدوا في الشوارع ماتوا من الرصاص وبعضهم اختنق نتيجة القنابل المسيلة للدموع، وكما تعانق الغيوم الأفق وأعالي التلال، عانقت الشوارع الأطفال لكن عناقها طال مع بعضهم طال إلى حد منعهم من الحركة ومن التنفس وترك آثاره دماء على مكان العناق .

دبكت الغيوم في الشوارع وهزت خصرها، وارتفع الرعد مدويًا مادًا الخضرة والجمال، وظلت فرحةً بالأمواج التي تنزل إلى الشارع، مدركه أنها الانتفاضة لأن لموجتها روحًا لا تنتهي. هتفوا:

-يسقط الاحتلال، بالروح والدم نفديك يا فلسطين، بالروح بالدم نفديك يا شهيد.

الانتفاضة حياة حرية لا تأتي هي في ذاتنا، فإن كنا غير قادرين على كشفها أمام الشمس الساطعة، سنظل غير قادرين على صنعها وغير جديرين بها ... ستظل بلا لسان، بلا أفق وبلا عقل، كسيحة تجري في الشوارع على غير هدى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت