فهرس الكتاب

الصفحة 1418 من 1574

تقلب في سريره، عيناه مغمضتان بالكاد يستطيع فتحهما. شعر بثقل في رأسه بتياري الكناري والخليج يجوبانه، أحس بالمراجل تغلي ويخرج البخار من فمه ومنخاريه. حرك رأسه قليلًا ، قبل تسع سنوات قال له الممرض رافي:

-ماذا يمكنني أن أفعل لمضرب يبول دمًا! عليك العودة عن الإضراب لأعالجك .

أجابه عمر:

-الضرب والنوم على الأرض والرطوبة أليست عوامل مؤثرة أيها الممرض الحقير! حاولت التخلص مني وقتلي، لكنني الأقوى وسأظل كذلك. ماذا يهم لو نزفت دمائي كلها ؟

المهم أن لا ترى جسدي ينحني ولو للحظات.

قبل شهرين فرضوا عليهم أكل خبز عويص بمناسبة ما يسمونه ذكرى التوهان في سيناء حيث انقطعت عنهم الخمائر، يومها قال لهم وهم يستعدون للاحتفال بعيد الفصح:

-الخميرة قطعة عجين موضوعة في الدقيق قبل يوم واحد، فأي وهم هذا!

قال له الشاويش: أعد ما قلته، لم أستوعبه!

-مادام الخبز من العجين والخميرة من العجين فكيف تفسرون قولكم ؟

-اخرس أيها الحقير معلوماتك هذه تساوي الصفر، إياك أن تتلفظ بمثلها إتك تحاول أن تشكك بصدقنا وأعيادنا المقدسة!

وزع نظراته على الموجودين، نظر إلى الأطباء الذين يروحون ويعودون يمارسون عملهم على خير وجه، بعضهم يتفحص ملامحه ويغض بصره، كلهم سمعوا عنه الكثير من لايعرف قصته وصموده؟ .... كان بينهم من يتعمد إهمال علاجه وإعطاء معلومات غير صحيحة وهذا أدى إلى مشاجرات واتهامات، نقل ثلاثة أطباء بسببها، لكنهم رفضوا النقل وظلوا يداومون في المستشفى ويعتنون بالمرضى. بعدها ساءت حالته ، طلب أمه حدق بوجهها وسالت دمعة، شعرت بما يشبه الانفجار في رأسها، أدركت أنه يودعها حين كرر كلمات ذات دلالة كبيرة:

-سامحيني يمّا. سامحيني فهذا طريقي ولا شيء سواه!

في الخارج توقفت العصافير عن التغريد وثارت عواصف قادمة من الجنوب، إذ تحرك الهبوب والعجاج فغطى المستشفى. لفت الرياح دورات مجنونة ثم ارتفعت صاعدة إلى الأعلى وتوجهت شرقًا، لكنها لم تهدأ، تلتها عاصفة رملية ثانية وثالثة

لازمه الأطباء الثلاثة حاولوا مساعدته، لكن الوقت مضى، ولا شيء يمكن أن يفيده، ظهرًا وعند الساعة الثالثة تمامًا أحس برجفة، فأشار إلى أمه اقتربت منه قبل يدها،

اقتربت منه أمل وأخوه علي، مد يده لهما وصدرت عنه حركة، ارتخت يده وتيبست، تيبس جسده، قالت أمل: لقد مات الغالي!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت