فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 1574

لا أحد يعلم، فكل ما يذكره الناس من أهل البلد، أنها قدمت أواخر الأربعينات من الشرق وحيدة مع ابنتها الصغيرة وابنها الشاب الوسيم، وسكنت حارة الشراكسة في منزل بسيط يطل على سرير النهر، ويجاور الثكنة التي رحل عنها جنود الاحتلال، مخلفين وراءهم مهاجعهم ذات السقوف القرميدية الحمراء، ومكاتبهم التي نهبها الأهلون، وذكريات لا تنسى.

ولم يكن معها ما يهم أو يلفت النظر من الأثاث سوى ماكينة خياطة حديثة، فذاعت شهرتها كخياطة بارعة، تقصدها العرائس الصبايا وزوجات الوجهاء وكبار الموظفين.

كانت فضة جميلة وأنيقة، لكن أحدًا من الجوار لم يجرؤ أو يحاول التقرب منها، فقد وضعت سورًا من الصمت حول ماضيها، وكان لها من قوة الشخصية والحضور ما جنبها مواقف تحرجها، فهي تهتم بعملها أكثر مما تهتم بالثرثرة على عادة الخياطات، بل العكس كانت تستمع إلى ثرثرة الصبايا وهمومهن دون أن تعلّق.

أما الابن فعشق النهر، وصيد السمك، والليل الساحر، ولم يصدر عنه ما يؤذي فاستراحت العائلة إلى هذا النوع من الحياة الهادئة، والعلاقات المتوازية، وخطبت الأم لوحيدها فتاة جميلة، رأت فيها زوجة مناسبة للابن، ومساعدة لها في البيت.

-لا أريد أن أموت قبل رؤية أولادك.

قالت له.. فأجاب:

-يومي قبل يومك.

فشهقت وقد لابت عيناها في محجريهما.. وصاحت:

-لا تقل مثل هذا الكلام مرة أخرى.

ثم أردفت:

-إن شاء الله"عدوِّينك".

وليلة العرس قتل الابن، فجنَّ جنونها، فالقاتل مجهول، والسبب غامض، فمن أين جاء هذا العدو؟!

ومنذ ذلك اليوم..

كانت فضة العلاوي تخرج صباحًا، بثيابها السوداء، وشعرها المقصوص، وأسنانها المصبوغة بالأزرق، تحمل بيدها اليمنى كتاب الله، وبالأخرى السيف، ومن خلفها ابنتها، تحمل هي الأخرى ثوب أخيها الأبيض وقد مزقته طعنات الخنجر الغادر، وصبغته الدماء، وقد فاحت منه عطور العرس الذي لم يكتمل.

وتدور فضة في الأسواق.

تدور في الأزقة والحارات، وتقف أمام الجوامع تستحلف الخلق بالقرآن كتاب الله، وبالسيف سيف علي، من رأى أو سمع أو عرف شيئًا عن القاتل أن يقوله وإلا فسوف يكون الله خصمه يوم القيامة.

تدور فضة، تضرع، تبكي، ونداؤها الحزين يتسلل إلى النفوس، وحين تصل إلى مزار"أويس القرني"تسند رأسها إلى حائط المزار الحجري، وتسترسل في مناجاة طويلة لصاحب المزار تطلب الثأر لدم ابنها المطلول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت