فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 1574

وآخر النهار، تعود فضة إلى بيتها حزينة، مرهقة، تستعد لدورة اليوم القادم بكثير من الدموع والكلمات التي لا تجد صدى لها في قلوب القتلة الحجرية.

2 -دَيْن صغير:

-يا جدي.. مات جدي فأنت جدي بعده.

قال خليل للقبر الحجري الصامت، وقد أحس بالأمان، يتسلل إلى روحه القلقة، لوجوده تحت سقف بعد تشرد ونوم تحت الأشجار أو في الخرابات، وقد يكون الأمر معقولًا في الصيف أما في الشتاء فهو الموت.

ونام خليل ليلته الأولى في المزار وكان خائفًا من الظلمة والسكون الغامض ومرور الريح، فأشعل شمعة من شموع جده، فسكن روعه، فقرأ ما يحفظ من أوراد وقصار السور.

ويومًا بعد يوم.

ظل خليل يأوي إلى المزار، وذات ليلة اكتشف أن بعض الزائرين ترك بضع قطع نقدية في طاسة النذور الصدئة، فهاب أن يمد يده إليها، لكنه مع الجوع واليأس تناولها، وقد وقف يقسم أما القبر:

-أقسم.. سأردها يا جدي.

ثم أردف بعد صمت قصير:

-سأعتبرها دينًا.

ويوم أعيد خليل إلى بيت العائلة، وانتهت رحلة التشرد والخوف، ظل يزور جده في المزار، وتوالت القروض، وهو يقسم أن يردها، وعُيّن خليل موظفًا صغيرًا ثم كبر سنًا ومرتبة، وبقي دين جده في عنقه، يذكره لحظات السكر، فيبتسم، ثم يدمدم:

-أنت جدي.. والجد لا يطالب حفيده بمال أو دين.

3-رجل مستقل:

حين يخرج جعفر سليمان خاسرًا

بعد كل لعبة قمار، يدخل أول"ميخانه"يصادفها في طريقه، فيشرب حتى"يتطرمخ"على حد تعبيره في تسمية الأشياء، وتتعدد الأنخاب:

فالنخب الأول لكل النسوة الجميلات في مضارب الغجر.

والنخب الثاني لكل الذين هزمهم في حياته.

والنخب الثالث محبة لأنها للبشر أما"صحة"فللثيران.

والنخب الأخير لكل من هزموه.. لأنهم يستحقون.

ثم يخرج جعفر سليمان في طريقه إلى البيت، وقد كظم الغيظ، وحين يقابله أول جدار، يبدأ في نطحه حتى يسيل الدم من رأسه، فإذا أسرع إليه الحارس الليلي أو أحد العابرين.. صرخ في وجهه:

-الرأس رأسي والحائط للبلدية.. فلا يتدخل منكم أحد.

وعند الفجر يغفو مثل طفل معفرًا بالتراب والدم.

4-حمير سعدو البكاري:

يزور العيادة سعدو البكاري أحيانًا

فهو مغرم بزيارة الوجهاء والأماكن الفخمة، والظهور بمظهر الرجل الهام، وكأنها جزء حيٌّ من ممتلكاته المهابة، ومع ذلك يطل منه فقر قديم، وحاجة تنم عنها حركاته في التسلق والتزلف، لبناء مكانة موهومة، ورأسماله انتماؤه إلى مدينة مثل حلب أكثر عراقة ومعرفة بالتجارة والسماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت